على الهامش في الضفة الغربية

في سائر أرجاء المنطقة، يعد لاجئو فلسطين عرضة للمخاطر الناجمة عن ضغوط الحرب والتشريد وحالات الطوارئ. إن تحديات الحياة اليومية تزداد في الوقت الذي يدخل الشتاء فيه. والضفة الغربية ليست باستثناء، ولذلك فإننا نبدأ تلخيصنا لهذا العام المليء بالتحديات بمقال مصور يوثق بعض الصعوبات التي تواجه لاجئي فلسطين الذين يعيشون في مجتمع بدوي في المحيط الشرقي لمدينة القدس.

بالرغم من أنهم يعيشون بالقرب من المدينة، إلا أن سكان هذا المجتمع والمجتمعات المماثلة معزولون بشكل عميق من عدة نواح. فهم معزولون عن البنى التحتية الهامة ومحرومون من الوصول إلى الخدمات كالمدارس والعيادات والأسواق. حتى أن مصدر دخلهم التقليدي –الماشية- لم يعد متاحا. والأكثر أهمية من هذا كله هو مسألة الأرض: فحيث أنها تعد جزءا من منطقة بلدية معاليه أدوميم التي هي ثالث أكبر مستوطنة إسرائيلية في الضفة الغربية، فإنهم مهددون وبشكل مستمر للتشريد. إنهم يعيشون في حالة من انعدام دائم للأمن غير قادرين على حل المشاكل اليومية أو التخطيط للغد.

لقراءة المزيد عن التحديات التي تواجهها تلك المجتمعات وغيرها في الضفة الغربية، ولمعرفة كيف يمكنك تقديم المساعدة في هذا الشتاء، يرجى النقر على الرابط : #من دفء القلوب إليكم .


 

المختار أبو رائد

أبو رائد هو المختار لعشرات من العائلات في المنطقة (ج)، بمن فيها عشر أسر من عائلة ميهتاويش في خان الأحمر الت يتعد واحدة من أصل 20 مجتمع بدوي صغير في المحيط الشرقي لمدينة القدس والتي تعتزم السلطات الإسرائيلية ترحيلهم بهدف إتاحة المجال للقيام بتوسعة المستوطنات القريبة.

وقد أتى أولئك البدو للضفة الغربية في أعقاب نزوحهم في عام 1948 عن أراضيهم وأراضي أجدادهم في النقب. وقد قاموا بتشكيل أنماط جديدة من الهجرة الموسمية من خلال الهجرة من أريحا في الشتاء إلى منطقة القدس في الصيف والعمل على رعي مواشيهم على طول ذلك الطريق وفي نفس الوقت القيام بالمتاجرة في أسواق المدينة. ولا يزال أبو رائد يتذكر طعم المياه العذبة لعين الفوار على الرغم من أنه لم يزرها أو يتذوقها منذ سنوات عدة، حيث أدت سياسات وممارسات المنع المفروضة منذ عام 1967 وبشكل تدريجي إلى الحد من حريتهم في الحركة.

 


خان الاحمر

إن مجتمع عائلة ميهتاويش في خان الأحمر مراقب بشكل وثيق من قبل كل من السلطات الإسرائيلية والمستوطنين الإسرائيليين أنفسهم الذين يقومون بزيارتهم بشكل متكرر للمشاهدة والتقاط الصور. إن أي بناء أو تحسين جديد، أو حتى مجرد وجود مواد قد يمكن استخدامها في البناء، يتم الإبلاغ عنه وينبغي أن يتم تدميره. وإذا لم يقم ذلك المجتمع بإزالته فستتم إزالته لهم.

ونتيجة لذلك، فإن العائلات مضطرة للعيش في مساكن ذات مستويات متدنية مبنية من المعدن والخشب. وبالنسبة لأبي رائد، فإن المطابخ تعد نقطة الاهتمام الرئيسة؛ فهي منخفضة وغير مؤثثة ومفتوحة في كثير من الأحيان وعرضة لهجوم الحشرات والهوام. إن الهياكل التي يعتمد المجتمع عليها هي تلك ذات الطبيعة المؤقتة والمصنوعة من الخشب الرقائقي المغطى على عجل بقماش القنب أو البلاستيك أو الصفيح.

وفي إحدى المناسبات، وبعد أشهر من العمل على منزل لبعض العرسان الجديد، أدت كلمة حول عملية إزالة وشيكة من قبل السلطات الإسرائيلية إلى قيام النساء في المجتمع بالتراجع عن كل شيء في غضون دقائق. كانت النساء محبطات وغاضبات. أما بالنسبة للأطفال، فقد تم تدمير روح الاحتفال لديهم.


مجتمع عائلة ميهتاويش

لا يبعد مجتمع عائلة ميهتاويش كثيرا عن بعض المجتمعات البدوية الصغيرة الأخرى، أو حتى عن القدس نفسها (أو مستوطنة كفار أدوميم المجهزة بشكل جيد والتي يمكن رؤيتها إلى اليمين)، إلا أن السكان يشعرون بإحساس عميق من العزلة؛ وخصوصا عندما تفيض مياه الأمطار في الوديان القريبة وتصبح الحركة ذهابا وإيابا ضربا من المستحيل حتى بواسطة سيارة ذات دفع رباعي. كما تعمل الأمطار الغزيرة في بعض الأحيان على تدفق المجاري من القدس إلى هنا في الأسفل.

وعلى مدار العام، يتم حرمان السكان من العديد من الخدمات الهامة كالمستشفيات أو العيادات. ولا تستطيع سيارات الإسعاف الوصول إليهم، وبسبب أن المجتمع يفتقر لوسائل نقل موثوقة يمكن الاعتماد عليها، فإن أي وضع –بدءا من كسر أحد الأطراف وحتى حالات الحمل المعقدة- يمكن أن يصبح أكثر خطورة.

ويوجد لدى الأونروا في الضفة الغربية ست عيادات صحية متنقلة تقدم الخدمات الصحية –بدءا من صحة الأمومة وحتى الكشف عن أمراض كالسكري- لحوالي 50 مجتمع معزول. وفي مجتمع ميهتاويش، فإن حالة اليقظة الدائمة قد تركت أثرا نفسيا أيضا على المجتمع يعمل برنامج الوكالة المجتمعي للصحة النفسية على التخفيف منه.


الماء

يعد الماء واحدا من الخدمات البلدية القليلة التي يحصل عليها مجتمع ميهتاويش: فبعد سنوات عديدة من المصاعب شهدت قيام المستوطنين بوضع السم في آبارهم وقطع أنابيب المياه السابقة، تم ربط المجتمع بإمدادات المياه من قبل شركة إسرائيلية التي تزود المياه نفسها لهم ولمواشيهم.

وعلى أية حال، فإن المجتمع يفتقد تقريبا لكل الخدمات الأخرى، بما في ذلك الغاز والكهرباء. ويعمل أبو رائد على تشغيل مولد لعدة ساعات كل ليلة يتمكن خلالها من شحن هاتف خلوي وإنارة بضعة مصابيح قليلة، إلا أن الأجهزة مثل الغسالات أو الثلاجات تعد أمرا مستحيلا. ومن أجل الحصول على بعض الحماية من البرد في الشتاء، فإنهم يعتمدون على وسائل العزل المؤقتة كالأغطية البلاستيكية أو القماش المشمع.


الحطب

يعد الحطب موردا مهما لعائلات ميهتاويش. وبسبب أنها غير متصلة بأنظمة الغاز، فإن الحطب يزودهم بالوقود الذي يفعلون من خلاله كل شيء بدءا من غلي المياه لصنع الشاي والقهوة وحتى طهي وجباتهم وصنع خبز الصاج الذي يشتهر البدو به. وتقوم النسوة في المجتمع بجمع العيدان الخشبية بشكل يومي ويقمن بنقلها من الوديان الصحراوية إلى مجتمعاتهن بواسطة الحمير، فيما يتم شراء قطع الحطب الكبيرة بالطن من تجار فلسطينيين محليين.


Winter approaches

يقول أبو رائد أن هناك حوالي عشر عائلتا تعيش في مجتمع ميهتاويش. وفي الوقت الذي يقترب الشتاء فيه، فإن عائلات أخرى قليلة ستنضم إليهم. وهنالك الكثير من الأطفال أيضا بمن فيهم أولئك ممن هم في سن الذهاب للمدرسة وحوالي 14 طفلا آخر لم يصلوا بعد لسن المدرسة. ويأسف أبو رائد لكون المجتمع لا يستطيع توفير بيئة آمنة ومحمية لهم كتلك التي يحتاجها ويستحقها الأطفال الصغار، ولكن مجرد إقامة سور حول ساحة اللعب المؤقتة سيبدو وكأنه عمل إنشائي يمكن بالتالي أن يتعرض للإزالة من قبل السلطات الإسرائيلية بزعم عدم وجود تصريح بناء.


Cooking not easy

يعد الطهي مهمة يومية رئيسة بالنسبة لعائلات ميهتاويش، حيث أنه لا يتوفر لديها تلك الخدمات التي يحتاجون إليها لتخزين أو حفظ الطعام لفترات زمنية طويلة. وكل عائلة في المجتمع لديها مطبخ منفصل ومعزول قليلا عن المباني التي تعيش وتأكل وتنام فيها الأسرة.

وتعاني تلك المجتمعات من ارتفاع مستويات انعدام الأمن الغذائي، حيث تصل نسبتها إلى 55% بعد تسلم المساعدات مقارنة بنسبة 22% في الضفة الغربية. وبدون مساحة كافية من الأراضي لرعاية الماشية أو للزراعة، فإنه يتوجب على البدو شراء معظم الأغذية التي يستهلكونها –وهو الأمر الصعب بالنسبة للمجتمعات التي فقدت مواردها التقليدية للدخل وتواجه معدلات عالية من البطالة.

وبالشراكة مع برنامج الغذاء العالمي، تقوم الأونروا بتوزيع مساعدات غذائية طارئة لكافة العائلات البدوية في المنطقة (ج) من الضفة الغربية وتقوم بمساعدة الأشد فقرا من لاجئي فلسطين على تلبية الحد الأدنى من احتياجاتهم الأساسية.


Cooking not easy

عندما يتحدث البالغون في مجتمع ميهتاويش عن وضعهم المعيشي، فإنه يكون من السهولة بمكان الإحساس بالإحباط الذي ينتابهم. إنهم يشعرون أنهم محاصرون بكافة الطرق: فهم غير قادرين غ=على الحركة جيئة وذهابا بحرية، وغير قادرين على ترك منازلهم أو آبارهم بدون حراسة مثلما هم غير قادرين على القيام بمهمة التطوير المادي لمجتمعهم. إنهم يعيشون في حالة دائمة من انعدام الأمن وعدم الاستقرار، ويتعرضون لزيارات منتظمة من قبل المستوطنين الإسرائيليين إلى جانب تعرضهم للإساءة البيروقراطية للقوانين والسياسات العقابية. وهم يشعرون بالقلق حيال ما يمكنهم القيام به لحماية أطفالهم من هذه البيئة وحيال ما الذي يمكنهم تقديمه لهم في المستقبل.


Transfer plans

في تموز من عام 2011، أكدت السلطات الإسرائيلية نيتها بترحيل تلك المجتمعات البدوية من منازلهم وذلك كجزء من خطة (E1) لتوسعة مستوطنة معاليه أدوميم وزيادة ارتباطها بالقدس. إن بعض المجتمعات سيتم ترحيلها إلى الجبل، وهي منطقة بالقرب من مكب النفايات التابع لبلدية القدس والذي بدء بترحيل المجتمعات البدوية إليه في تسعينات القرن الماضي، فيما تم تسجيل الآخرين ليتم ترحيلهم إلى موقع ثان في منطقة النويعمة بأريحا.

وقد أدى الضغط الدبلوماسي والدعم القانوني من المنظمات الدولية إلى مساعدة البدو على البدء بحماية أنفسهم. ومن أجل المساعدة في الدفاع عن حقوقهم، قاموا أيضا بتشكيل لجان خاصة بهم مثل لجنة حماية المجتمعات البدوية في محيط القدس والتي أعلنت عن ثلاثة مطالب رئيسة؛ حيث طلبوا بأن يتم السماح لهم بالعودة إلى مناطقهم القبلية التقليدية في النقب وأن يبقوا في مواقعهم الحالية إلى أن يتم تحقيق تلك العودة. وفي حالة كان ترحيلهم أمرا محتوما، فقد طلبوا أن يتم ذلك بموجب موافقة كاملة ومسبقة وواعية للمجتمع بأكمله.


Getting ready for school

إن الاستعداد للذهاب إلى المدرسة يعد عملية بحد ذاتها في مجتمع ميهتاويش، وبسبب المسافة الطويلة التي ينبغي اجتيازها، فإن هذه العملية ينبغي أن تبدأ في وقت مبكر – بعد السادسة صباحا بوقت قصير؛ حيث ينبغي على الأطفال الصغار ممن يدرسون في الصف الأول وحتى التاسع الذهاب إلى مدرسة الإطارات المطاطية في خان الأحمر. إن 40 طالبا من أصل 128 طالبا هم إجمالي طلبة تلك المدرسة يأتون من مجتمع ميهتاويش والمجتمع القريب منه. أما الأطفال الأكبر سنا فهم يذهبون إلى مدرسة الأونروا الثانوية في مخيم عقبة جبر بأريحا. ومؤخرا، عملت حافلة قامت السلطة الوطنية الفلسطينية بتأمينها على جعل رحلتهم الطويلة والمحفوفة بالمخاطر أكثر سهولة.

وعلى الرغم من العديد من التحديات، فإن الوالدين في المجتمع يؤمنون بأن تلقي التعليم يعد أولوية. إلا أنه ومع العديد من التحديات التي يواجهونها، فإنه من الصعوبة بمكان في بعض الأحيان على الأطفال أن يقوموا بالتركيز على واجباتهم المدرسية. وفي فصل الشتاء، فإن القيام بحل تلك الواجبات يعد تحديا إضافيا حيث أن قصر فترة النهار ومحدودية توفر التيار الكهربائي تعنيان ساعات طويلة من الظلمة.


Walking to school

لدى مشاهدته الأطفال وهم يغادرون المدرسة، يشير أبو رائد إلى الحقائب المدرسية التي يحملونها ويقول "إنها أثقل مما كانت عليه في السابق". ويضيف أبو رائد في الوقت الذي يقوم فيه بشيء من الفخر بسرد كافة الموضوعات التي يدرسها أطفال ميهتاويش "سيكون أمرا صعبا على رجل بالغ أن يحمل مثل هذا الوزن طوال ذلك الوقت. كيف يمكن لطفل في السادسة أو السابعة من عمره أن يتدبر هذا الأمر؟" ثم يعرج بعدها ليتحدث عن الحرارة القاسية في الصيف والبرد القارس في الشتاء.


School

إن العمل على إنشاء الجدار العازل في الضفة الغربية يؤدي إلى حرمان الأطفال من تلك المجتمعات من الوصول لمدارس الأونروا في القدس، ويجبرهم على القيام برحلة طويلة ومكلفة إلى أريحا. وبالنسبة لأولئك الذين لا يملكون النقود لركوب الحافلة، فإن السير على الأقدام قد يكون أمرا ينطوي على خطورة أيضا.

وفي عام 2009، قررت مجتمعات خان الأحمر بناء مدرستهم الخاصة. وبنصيحة فنية حصلت عليها تلك المجتمعات من منظمة إيطالية غير حكومية، تم بناء المدرسة البيئية باستخدام إطارات مطاطية وطين للتحكم بالنفقات وتوفير بعض العزل من الظروف الجوية. وبمساعدة من قبل العديد من المنظمات غير الحكومية والمجموعات التطوعية، تطورت المدرسة خلال السنوات الأربع الماضية على صعيد الحجم وعدد الطلاب.

وعلى أية حال، فإن وجود المدرسة لم يحدث دون أن تنتبه إليه السلطات؛ حيث تسلمت المدرسة أوامر هدم متكررة من قبل السلطات الإسرائيلية. وقضت المحكمة العليا الإسرائيلية بإيقاف عملية الهدم الفورية، إلا أن المستوطنين قاموا مؤخرا بتقديم التماس ثالث ضد قرار المحكمة.

Goat

اعتمد البدو بشكل تقليدي على إدارة الماشية باعتبارها مصدرا رئيسا للدخل. وقد وفرت الحيوانات مصدرا للتغذية وللدخل وذلك من خلال بيع منتجات الحليب واللحم. إلا أن الحيوانات تتطلب وجود مساحة من الأرض لكي ترعى فيها، ومع وجود القيود الشديدة على حركة أولئك البدو، فإنهم لا يستطيعون القيام برعي مواشيهم. إن الخيار الوحيد المتاح لهم يتمثل بشراء العلف الذي يعد مكلفا للغاية. وقبل بضع سنوات، كان أبو رائد يمتلك أكثر من مئة حيوان؛ والآن فهو لا يمتلك سوى خمسة منها. إن هلاك سبيل المعيشة التقليدي هذا قد كان له آثارا بعيدة المدى على الرجال والنساء والأطفال على حد سواء.