رسائل من غزة(12)...الخروج من غزة !

07 يوليو 2008

07 تموز  2008

لم أكن أدرك أن مجرد ورقة صغيرة هي كل ما يلزمني للخروج من غزة والتمتع بعالم مختلف تماماً، بعيداً عن الهموم، حيث يمكن للمرء أن يعيش حياة طبيعية ويحقق أفضل ما يستطيع. ففي الأسبوع الماضي، أتيحت لي الفرصة للخروج من غزة للمرة الأولى منذ عشر سنوات، ولأسبوع واحد فقط. ولكن هذا الأسبوع كان بالنسبة لي عمراً بأكمله. وقد غيّر موقفي ومنظوري للأشياء وحكمي على الأمور وحتى ردود أفعالي. لقد شعرت براحة كبيرة، وكأنه لم يعد هناك ما يدعو للشكوى أو القلق.

  توارد على فكري جيشان من المشاعر والأفكار عندما كنت أمر عبر معبر إيرز للمرة الأولى. إنها تجربة مخيفة جداً لن تمحى من ذاكرتي أبداً. قال لي ضابط يعمل على الجانب الفلسطيني بعد أن طرحت عليه سؤالاً: "رجاءً كوني حذرة، فأية غلطة في طريقك يمكن أن تكلفك حياتك". عبارته هذه أثارت فيّ الرعشة وجمدت ساقيّ في الوقت ذاته.

  كما أن الطريق الطويلة التي على الفلسطينيين أن يمشوها إلى أن يبلغوا الجانب الإسرائيلي كانت مخيفة أيضاً. وهي تخلو من أي منظر مألوف من شأنه أن يخفف مشاعر الوحدة والخوف التي على المرء أن يحبسها داخله إلى أن ينتهي من التفتيش الأمني.

  بالطبع، لا يمكنك أن ترى جندياً إسرائيلياً واحداً على مدى هذه الطريق الطويلة. فهم يكمنون في أماكن محمية ويتحدثون معك من خلف العديد من البوابات والجدران، مما يعني أن يواجه المرء المزيد من الصعوبة إن حاول الاسترخاء.

  وأخيراً، انتهيت من كل تفتيشاتهم الأمنية وسمح لي بأن أغادر البوابة، بوابتي إلى عالم حر، من وجهة نظري على الأقل. كنت أشعر بالتأثر لدرجة أني حتى تلك اللحظة لم أكن أصدق أنني غادرت غزة وأنني أخيراً حصلت على فرصة أن أرى زميلاتي وزملائي والمشرفين عليّ وأن أتواصل معهم بالشكل الملائم.

  استغرقت الرحلة من إيرز إلى القدس ساعة ونصف الساعة. ومع أني كنت منهكة من التفتيش الأمني الإسرائيلي، إلا أني أحسست بالإثارة لرؤية كل هذه المساحات الخضراء من حولي، وهو مشهد نفتقده في غزة.

  كان الشعور بأني أخيراً أصبحت حرة أشبه بالإحساس بحمل ينزاح عن كاهلي، حيث أني شعرت بالطاقة تدب فيّ لكي أواصل رحلتي باندفاع. كنت أحاول أن ألتقط كل صورة تمر عليّ وأن أسجل كل إحساس ينتابني وأن أمر بأكبر عدد ممكن من التجارب المختلفة. أنا لا أبالغ عندما أصف خروجي من غزة وكأنني منحت الفرصة لكي أولد من جديد ورغبت بأن أكتب كل كلمة جديدة في كتابي الجديد.

  إن الحصار وشكل الحياة الذي على سكان غزة أن يحيوه لا يترك لهم شيئاً ليستمتعوا به، ولا يترك شيئاً ليتذوقوه أو يحبوه. ولكنني عندما غادرت غزة، تركت خلفي كل أحاسيس الإحباط والقنوط هذه. أخليت فكري وروحي وقلبي لكي أستمتع بهذه التجربة قبل أن أعود من جديد إلى واقع الحياة في غزة.

  كنت كالطائر الذي انطلق من قفصه ليشدو بأغنيته الخاصة. ولكن هذا الطير للأسف عاد من جديد لكي يحبس في قفصه، وكأن القفص هو قدره.

 نجوى الشيخ  ,  مخيم النصيرات
  نجوى الشيخ أحمد لاجئة فلسطينية تقيم في مخيم النصيرات مع زوجها وأطفالها الأربعة . وهذه هي إحدى رواياتها الشخصية.

تبرع 1 _ دفئ القلوب

تبرعك ينمح عائلة بطانية