رسائل من غزة(21)...العودة إلي العمل

25 يناير 2009

25 كانون ثاني  2009

إنه اليوم الثاني منذ إعلان وقف إطلاق النار و انتهاء الحرب، بدأ الناس بالخروج من منازلهم ليستكشفوا ماذا حل بالمناطق الأخرى. كنت في التاكسي متجهة إلي عملي في مدينة غزة، كم تبدو الطريق موحشة، طوال الطريق كنت أعد نفسي لما يمكن أن أراه من مظاهر التدمير الهائل، تدمير طال المنازل، الأراضي الزراعية، الطرق و كل شيء، اكتشفت كم كنت متواضعة بتوقعاتي، فكل شيء بدا مغايرا، بدءا من مفترق نتساريم امتدادا إلي مدينة غزة، شريط هائل من البيوت المدمرة، المكاتب، الشوارع، الملاعب، و حتى أماكن العبادة، المساجد حيث نجد السكينة و الطمأنينة.

  و علي الرغم من متابعتي للكثير من تقارير الأخبار، إلا أنني صُدمت لرؤية هذا الدمار، كان واقعاً مؤلماً و مريراً، و أكثر إحباطا بان تراه بأم عينيك. كنت أحاول طوال الطريق بان أتعرف علي ماذا يمكن أن يكون هذا الركام، منزل، مزرعة أو ربما مدرسة، ربما، لا يمكنني الجزم بذلك، بدا كل شيء مختلفاً، كما لو أن الأرض اهتزت بعنف ماسحة ما عليها. ألا أنه في الحقيقة ليست الأرض من تُلام بل من عليها من بشر حكمتهم القوة، الكراهية و الوحشية.

  في كل متر من الطريق كانت هناك رواية، رواية ترويها وجوه شاردة لمن قطنوا هذا المكان من قبل، المكان الذي كان لهم المأوي، و الحياة. و علي كل كومة من الركام كان يتجمع النساء و الأطفال بوجوه تخلوا من أي تعبير، سوي الصمت يحاول كل منهم أن يلملم ما تبقي من حياته، من ذكرياته، و من عملهم المُضني طوال سنوات و سنوات مضت، فلا يجد سوي بضع ملابس ممزقة لا غير.

  اليوم سنحت لي الفرصة بان ألتقي و أتحدث مع بعض ممن فقدوا منازلهم، فكانت القصص التي ترويها النساء بشكل عام و الأطفال بشكل خاص خير دليل عما هي الحرب. و كان هناك دائماً هذا السؤال الذي سيبقي بدون إجابة _لماذا نحن فهذه الحرب لم تكن حربنا، نحن أناس عاد يون، كنا في منازلنا وسط أطفالنا؟ لماذا نحن من أرغم علي مغادرة منزله تحت إطلاق النار و القصف؟ لماذا نحن من غادر وسط صرخات أطفاله و خوفهم آملين بشيء واحد فقط بان نحيا معاً أو نموت معا؟

  رأيت دموع هؤلاء الأمهات للواتي مررن بهذه التجربة المخيفة، تجربة فقدان المسكن الآمن، شعرن كما لو أنهن استهلكن جميع المشاعر الطبيعية التي تتمتع بها أي أم، فلم يتبقى لهن شيء لأطفالهن. أصبحن مشتتات في كل شيء، فلم يبقي لهن سوي ذكريات مريرة ستحتاج دهرا كاملاً حتى تُنسي.

  أصعب ما استمعت إليه كان أمنيات الأطفال بان يسترجعوا بعضاً من كتبهم، ألعابهم أو أغراضهم المفضلة.بدت عيونهم حائرة، و أيديهم مرتعشة و هم يسترجعون المواقف المخيفة التي مروا بها، كم بدا عبثياً أن يؤمن هؤلاء الأطفال بالسلام....

  كان السؤال مُلحا حينها، كيف لهم أن يؤمنوا بحقوقٍ حُرموا من أن يطبقوها؟ لماذا لا يمكنهم كأطفال بان يعيشوا في مسكن آمن؟ لماذا لا ُيعاملون كغيرهم من الأطفال في أنحاء العالم؟

  و السؤال الأكبر لماذا تهتم إسرائيل بحياة أطفالها بينا في نفس الوقت تدمر منازلنا البسيطة، حياتنا، أحلامنا، و لا تترك لنا شيء سوي مجموعة من مشاعر الألم و المرارة، مشاعر ستأكلنا من الداخل إلي أن تحين النهاية، و ننتقم

  كيف لهم أن يطلبوا بان نكون شعباً عقلانياً، محباً للحياة بينما يعلموننا كيف نكره؟
  كيف سيحل السلام إذا ما كان ثمنه من حياتنا و حياة أطفالنا؟

 نجوى الشيخ  ,  مخيم النصيرات
  نجوى الشيخ أحمد لاجئة فلسطينية تقيم في مخيم النصيرات مع زوجها وأطفالها الأربعة . وهذه هي إحدى رواياتها الشخصية.

تبرع

كافية لتزويد أربعة مواقد لأربعة أسر