رسائل من غزة(3)...لا شيء يرتجى !

15 أبريل 2008

15 نيسان  2008

يوجد حول العالم الكثير من الأشخاص والمؤسسات التي تؤمن بحقوق الإنسان، والبعض منها يناضل من أجل هذه الحقوق حتى الرمق الأخير. ولكني أستعجب: ألسنا في غزة ضمن مصطلح "الإنسان"، أم هل نحن مستثنون من بني البشر الذين يجب أن يتمتعوا بهذه الحقوق؟ اليوم، أخذت المعتقدات والقيم التي اكتسبتها في طفولتي تنهار. اليوم، لم يتبق لي أي شيء سوى أن أومن أن فلسطينيي غزة ما وجدوا إلا لكي يعانوا.

  جهود هائلة تبذل من أجل سرقة كل لحظة مبهجة في حياتنا. ويتم التعامل معنا كنوع غريب وخاص من المخلوقات، نوع لا تجوز له الرحمة... من تدمير أسعد لحظة في حياة الأسرة، وهي زفاف ابنها، إلى القتل البطيء لشعب بأكمله – وحرمانهم من حقهم في المياه والوقود والكهرباء والدفء والغذاء. أليست هذه احتياجات أساسية لا ينبغي أن يحرم منها أي إنسان؟

  لم تكن غزة تعاني من نقص في الكهرباء حتى فترة العامين السابقين. لم نكن مدللين ولكننا كنا نحصل على ما يكفي لسد احتياجاتنا. ثم بدأت المقاطعة والحصار وبدأت الانقطاعات في الكهرباء. وأصبحت تقتصر على ساعات الليل ولمدة ثماني ساعات في اليوم فقط. كم أصبحنا نعاني، وخاصة في ظل الشتاء القارس في منطقتنا! ولكن اليوم، ونتيجة الإجراء الجديد الذي يحرم قطاع غزة بأكمله من الكهرباء، سيعيش سكان غزة بحق في العصور المظلمة والباردة. ولن يستثنى أحد من ذلك، لا الأطفال ولا المسنون، ولا المرضى ولا النساء الحوامل.

  هذا المساء، سأجلس من جديد في الظلمة والبرد مع أطفالي الثلاثة. سأفعل كل شيء أستطيعه لأشغلهم، ولكن الوقت سيمر طويلاً وستظل الغرفة مظلمة وباردة. سيشعرون بالإحباط، وسيبكي أحدهم أو يسبب المتاعب... يا إلهي، كم من المضني أن يعيش المرء بهذا الشكل في القرن الواحد والعشرين!

 عندما غادرت منزلي وتوجهت إلى عملي هذا الصباح، بقيت لأكثر من ساعة في الشارع أنتظر سيارة أجرة. فبسبب عدم توفر الوقود، كانت الشوارع فارغة وهادئة – هادئة جداً... هذا النوع من الهدوء الذي يخبرك أنه يخفي خلفه شيئاً غير عادي. ذهبت إلى أربعة مخابز بحثاً عن الخبز لأسرتي، ولكنها كلها كانت إما مغلقة أو تزدحم بطوابير طويلة من المشترين. وبسبب أني حامل ولكوني مرهقة، غادرت المكان وأنا أؤنب نفسي على عدم احتفاظي ببعض الطحين في المنزل. ولكن ما المعنى من الاحتفاظ بالطحين طالما أنه لا تتوفر الكهرباء لخبزه؟

  غريب حقاً أن يجد المرء نفسه في أوضاع كهذه، حيث يشعر بالعجز إلى حد كبير، ثم يراقب عجزه يتحول إلى لامبالاة – ليس لأنه لا يبالي ولكن لأنه لا يملك القدرة على تحسين أو تغيير أي شيء.
الآن، وعندما وصلت إلى نهاية يوم طويل آخر، أشعر بالحزن وأنا أجهز نفسي للمغادرة إلى البيت. فالمكتب الذي أعمل فيه دافئ وتتوفر فيه الإنارة. أما الذهاب إلى البيت فيعني الانتظار الطويل مرة أخرى للعثور على سيارة أجرة، ثم قضاء ليلة طويلة في البرد والظلام، في انتظار أن يبدأ بكاء أطفالي من جديد. كيف يمكنني أن أفسر لهم هذا الظلام المفاجئ الذي أصبح يغلف حياتهم؟

 نجوى الشيخ  ,  مخيم النصيرات
  نجوى الشيخ أحمد لاجئة فلسطينية تقيم في مخيم النصيرات مع زوجها وأطفالها الأربعة . وهذه هي إحدى رواياتها الشخصية.

قدم تبرعا

قدم تبرعا
50 $ كافية لشراء باجة طوارئ منزلية