"التقنيات الحديثة: مدى تأثيرها على العمليات الإنسانية والتطوير"

28 آذار 2011

مؤتمر دبي الدولي للإغاثة والتطوير
دبي 28 آذار 2011

الكلمة الافتتاحية للمفوض العام للأونروا فيليبو غراندي

صاحبة السمو، الزملاء الأعزاء، السيدات والسادة:

المفوض العام السيد فيليبو غرانديأشعر بالامتنان لمنظمي المؤتمر لإتاحتهم الفرصة لي للحديث في هذا الملتقى الهام، وأشعر بالامتنان أيضا لصاحبة السمو على كلماتها الملهمة في بداية المؤتمر.

وأود أيضا أن أعرب عن تقدير الأونروا لشعب وحكومة دولة الإمارات العربية المتحدة. إن مؤسساتها الإنسانية، وتحديدا جمعية الهلال الأحمر بتوجيهات من صاحب السمو الشيخ حمدان بن زايد، ومؤسسة خليفة بن زايد، ومؤسسة زايد ودبي العطاء، قد عملت وبسخاء على دعم ومساندة اللاجئين الفلسطينيين وعلى دعم الأونروا، هذه المنظمة المكلفة بمهمة توفير الحماية والمساعدة لأولئك اللاجئين.

السيدات والسادة:
في العام الماضي، قامت ثلاث طالبات لاجئات فلسطينيات ممن يدرسن في المدارس التابعة للأونروا في الضفة الغربية باختراع عصا الكترونية للكفيفين. وقامت مؤسسة إنتل التي تعد الرائدة عالميا على صعيد تقنيات المعالجات الصغيرة، بمنحهن جائزة عالمية تقديرا لبراعتهن. وأيضا، فإن إحدى العبقريات التي لدينا في واحدة من مدارسنا في عين الحلوة بلبنان قد التحقت مؤخرا للتدريب في وكالة ناسا الفضائية. وهي الآن تعمل على إنهاء دراسة الدكتوراة في الكيمياء الحيوية في إحدى الكليات العلمية المرموقة في الولايات المتحدة.

لقد كان، وسيظل، هناك العديد من أمثال هؤلاء، وجميعهم يمثلون رموزا قويا لما يمكن للشباب أن يقدموه فيما لو تم منحهم الحرية والموارد اللازمة للإبداع. وحيث أننا نتحدث عن التقنية، فإنه ينبغي أن يتم وضع الشباب أولا وقبل كل شيء في الاعتبار.

وموضوع اليوم له صلة وثيقة وأهمية خاصة لنا جميعا. وبما أن التقدم العلمي والتقني لا يزال مستمرا بالتسارع، وأن أهميته في الحياة اليومية لكل فرد قد أصبحت أكثر انتشارا من ذي قبل، فإن على مجتمع المساعدات - وبدعم حكومي – أن يقوم بتسخير ابتكارات القرن الحادي والعشرين من أجل المساعدة في مواجهة التحديات الهائلة للكوارث الطبيعية والكوارث التي يصنعها الإنسان. وإنني لذلك أود أن أشيد بقيام المؤتمر باختيار التركيز على هذا الجانب الهام من عملنا. إلا أنه وفي الوقت الذي نتفكر فيه بكيفية تعزيز استجاباتنا للأزمات المتعددة والتي غالبا ما تكون كارثية من خلال استخدام التقنية، فإنه من المهم أن نتذكر بأن الاستثمار في رأس المال البشري وفي التنمية المستدامة هو المفتاح لمنع حدوثها أو التضييق عليها. وسنكون مقصرين، أيتها السيدات والسادة، إذا لم نذكر أنه وفي الوقت الذي نتحدث فيه فإن الجيل الشاب في هذه المنطقة بالذات، وبدعوته السلمية للحرية والكرامة والتي وصلت إلينا بشكل كبير من خلال التكنولوجيا، يذكرنا بأن الأزمات هي أيضا نتاج الفرص التي حرموا منها. ومع الموارد الهائلة التي تتوفر من خلال التكنولوجيا في عالم يتسم بالعولمة، فإننا ببساطة ليس لدينا أي عذر تجاه الفشل في تطوير رأس المال البشري والفكري الهائل الذي يمثله جيل الشباب، بما في ذلك وعلى وجه الخصوص، في منطقة الشرق الأوسط.

إن الحرمان من الفرص يأخذ العديد من الأشكال وله العديد من الأسباب، كالفقر وتدهور البيئة وعدم كفاية التعليم ونقص الديمقراطية وحقوق الإنسان وانعدام العدالة والنزاع. واسمحوا لي أن أشارككم ببعض التأملات من منظور واحد أنا على دراية كبيرة به، ألا وهو منظور الأونروا ومنظور اللاجئين الفلسطينيين. إن عددهم الذي يقترب اليوم من خمسة ملايين يعيشون في الأردن وسورية ولبنان والضفة الغربية (بما في ذلك القدس الشرقية) وقطاع غزة، يعد كناية حية عن المكامن المحبطة وعن القدرات الاجتماعية الاقتصادية غير المستغلة وعن الإمكانات التقنية التي تنتظر أن يتم اقتناصها.

إن مهمة الأونروا تتركز حول إيجاد فرص للاجئين وتجهيزهم لاغتنام الفرص من حولهم بشكل أفضل. وعلى مر ستة عقود قمنا بتقديم الإغاثة الإنسانية للملايين من الفلسطينيين في ظروف النزاع وقمنا بتأسيس برامج في مجالات التعليم والصحة والبنية التحتية وشبكة الأمان الاجتماعي للفقراء وأنشطة الإقراض الصغير. ونحن نفخر بشكل خاص بقيامنا بتطوير إمكانات ما يقارب من 500,000 طفل لاجئ في مدارسنا كل عام وأكثر من 6,000 شاب وشابة ممن يتخرجون سنويا من مراكزنا المهنية. إن عبقرية أولئك الشباب ومقدرتهم على التميز نادرا ما تتوقف عن إصابتنا بالدهشة.

إن أكثر من أربعة عقود من الاحتلال العسكري الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة، والنزاعات الأخرى في المنطقة، لم تعمل على التقليل من التزام اللاجئين في أكثر من 700 مدرسة باكتساب المعرفة والمهارات. وما عملته تلك العقود، إن عملت شيئا، هو أن التزامهم قد نما مع كل صدمة يتعرضون لها. ومع ذلك، فإن الاحتلال والنزاع لم يكونا العقبات الوحيدة في وجه تحقيق التزامهم: بل إن نقص الموارد يعد عائقا آخر، وهو عائق قوي. إننا لا نستطيع توفير خدمات نوعية للاجئين الشباب إلا إذا أتيحت لنا الوسائل المناسبة لفعل ذلك، ومع ذلك فإن التمويل الذي يأتي أغلبه بشكل طوعي وسخي من قبل الحكومات يكون في العادة أقل من الاحتياجات. إن إحدى العواقب الناجمة عن نقص الموارد تتمثل في الفجوة التكنولوجية، والتي تبدو واضحة في العديد من جوانب عملنا، بدءا من التعليم والصحة وصولا إلى إدارة المنظمة بحد ذاتها. ونحن لذلك نسعى وراء الشراكات ونقوم بتطوير "نوافذ تقنية" من أجل تحسين وتحديث الطريقة التي تقوم الوكالة فيها بأداء عملها. واسمحوا لي أن أعطيكم بعض الأمثلة، والتي توضح أيضا كيف يمكن للتكنولوجيا المحسنة أن تعمل على الاستجابة لبعض التحديات التي تؤثر على السكان المنكوبين.

تعمل التكنولوجيا على مساندة الفعالية في ظروف الأزمات. وأضرب لكم مثلا نظامنا الالكتروني الجديد لتسجيل اللاجئين؛ فمن خلال هذا النظام الجديد قمنا بتحويل عملية تسجيل اللاجئين في جميع أرجاء المنطقة لتصبح رقمية وعملنا على إدخال تحسين لا يمكن قياسه على الطريقة التي نقدم بها خدماتنا.

إن التكنولوجيا تساعد في تعزيز الإحساس بالهوية للسكان المشتتين والمتضررين. ونحن نخطط لربط نظام التسجيل الخاص بنا بمشروع الترقيم الأكثر طموحا ألا وهو حفظ ما يقارب من 18 مليون وثيقة للاجئين تغطي السنوات الاثنتين والستين الماضيتين والتي تمثل بحد ذاتها سجلا لا يقدر بثمن لأصولهم وتاريخهم وهويتهم.

وتسمح التكنولوجيا أيضا بتقديم أفضل للخدمات الصحية. فمن خلال مبادرة "الصحة الالكترونية"، فإننا نسعى إلى حوسبة عياداتنا الصحية البالغ عددها 137 عيادة وربطها عبر الانترنت. إن التغيير سيكون جذريا. وحاليا، فإنه يتم تسجيل ما مجموعه 11 مليون زيارة طبية سنويا بشكل يدوي.

كما أن التكنولوجيا تدعم تعليما أفضل وتعمل على فتح فرص العمل، وهذه متطلبات رئيسة للشباب في المنطقة. ومع المساقات الجديدة التي تعمل على إدماج الميكانيكا والالكترونيات والحاسوب، على سبيل المثال، فإن خريجينا يعملون على الإيفاء بمتطلبات السوق لوظائف التقنية العالية والتصميم المتطور والتصنيع.

السيدات والسادة:
إن الفلسطينيين، اللاجئين منهم وغير اللاجئين على حد سواء، يعدون الدليل الحي على أن السكان الذين لطالما تأثروا من غياب العدالة والبؤس قادرون بالرغم من ذلك على إظهار قدرة استثنائية للارتقاء فوق ظروفهم عندما تتاح لهم الحرية والأدوات اللازمة للقيام بذلك. إن الأونروا شاهد مباشر على التعطش للمعرفة والقدرات الفكرية والموهبة للإبداع والابتكار التي تنتظر أن يتم استغلالها.

ومن أجل إطلاق تلك الإمكانات، فإن الموارد التقنية تعد المفتاح لذلك، ذلك أنها الوسائل التي تؤدي إلى تحقيق المنجزات التي يمكن أن تساهم بدورها في تحقيق المثل الأعلى بالكرامة الإنسانية. فعلى سبيل المثال، فإن حاسوبا محمولا بين يدي طفل لاجئ تنحصر حياته بين الحواجز المتعددة للاحتلال في غزة أو في الضفة الغربية يمكن أن يكون أداة من أجل التعبير عن النفس ومن أجل التعلم؛ ووسيلة لنقله إلى عوالم من المعرفة أبعد من الحدود المقيدة للأراضي الفلسطينية المحتلة.

ومما لا شك فيه من أن هذا المؤتمر سيعمل على التأكيد على أهمية التكنولوجيا المحسنة في المساعدة في الاستجابة للأزمات الإنسانية ولإطلاق الإمكانات غير المستغلة. وهذا أمر في غاية الأهمية. وعلى أية حال، فإن علينا أن نعترف بأن التكنولوجيا لوحدها ستكون غير كافية لمنع الكوارث وتوفير الفرص لأولئك الذين يشكلون اهتمام الوكالات الإنسانية والإنمائية الممثلة هنا. إن تكنولوجيا المعلومات والاتصال يتم استخدامها اليوم من قبل شباب لديهم الحيلة، ولكنهم محبطين، للمطالبة بالحقوق السياسية وبنصيب أكبر إنصافا في الازدهار الاقتصادي، وفوق كل ذلك بالكرامة. إن علينا أن نستمع لنداءاتهم وأن نستجيب لها في السياقات المتعددة التي تم تقديمها بها. إن إحدى تلك السياقات، وهو سياق ينبغي أن لا يتم نسيانه، يتعلق بالصراع الممتد لعقود والذي يؤثر على الفلسطينيين. إن عواقب الصراع والاحتلال، كالفقر والخدمات غير الكافية والانقسامات الداخلية، تبقى العقبات الأساسية في وجه إمكانات الفلسطينيين، وهي عقبات، من جملة عقبات أخرى، ينبغي أن تتم معالجتها من أجل السماح بالتحقيق الكامل للتنمية البشرية في هذه المنطقة. ولدى وضعنا ذلك بعين الاعتبار، فإن علينا أن نعمل سويا لتكثيف جهودنا نحو الوصول لنهاية سلمية للنزاع، بما في ذلك تحقيق حل عادل ودائم لمحنة اللاجئين وتأسيس دولة فلسطينية قابلة للحياة.

** أشكركم **

Gaza Emergency 1
30 دولار توفّر علاج نفسي لطفل