برغم كل الصعاب: تطوير التنمية البشرية في غزة

01 أكتوبر 2010

المؤتمر الدولي
غزة – فلسطين : الخروج من التهميش
 

جامعة بير زيت
1 تشرين الأول 2010
 

كلمة للمفوض العام للأونروا فيليبو غراندي

المفوض العام السيد فيليبو غرانديأشكرك سيدي الرئيس على ملاحظاتك الدافئة؛ كما وأشكر أيضا جامعة بير زيت، ومعهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية والبروفيسور هيكوك على دعوتهم للأونروا بتقديم الكلمة الافتتاحية في هذا المؤتمر الدولي الهام. إن المحور الذي يتمركز عليه هذا المؤتمر قد جاء في وقته تماما، وذلك في الوقت الذي نقف فيه على أعتاب لحظة حاسمة قد يتشكل فيها أفق سياسي جديد.

تتمتع جامعة بيرزيت بسمعة معروفة ومستحقة على صعيد التفوق الأكاديمي. وباعتبارها المؤسسة الأولى للتعليم العالي في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فهي لا تزال مستمرة في تقديم إسهامات متميزة بحق في حقل التعليم والبحث في المجالات ذات الصلة بالقضايا الاجتماعية والسياسية. وتعمل جامعة بيرزيت بمثابة تذكير على المستويات التي يمكن للفلسطينيين، إن أتيحت لهم الفرصة، بأن يرتقوا إليها وعلى حرية الإبداع وحرية التصرف. إن محافظتها على التميز والتزامها به يعدان بمثابة تذكير بالرغبة الإنسانية نحو الحياة الطبيعية والتقدم برغم كافة الصعوبات، وهي أحد الموضوعات الرئيسة للأفكار التي أود أن أتشارك بها معكم هذا الصباح.

إن الفرصة المتاحة وحرية الإبداع وحرية التصرف هي النقيض الكامل لظروف الحرمان القسري التي تنبثق من احتلال الأراضي الفلسطينية. إن الاحتلال الذي يدخل الآن عامه الثالث والأربعين هو ظلم. وهو يمتزج مع الحالات الأخرى لظلم النفي منذ عام 1948 وآثار عقود طويلة من النزاع المسلح ليعطي الفلسطينيين واللاجئين الفلسطينيين مكانتهم التي لم يرغبوا بها بتاتا في التاريخ الحديث للمعاناة الإنسانية.

وفي هذا السياق، فإن غزة لديها طابعها المتميز، وهو طابع تشكل من سنوات عديدة في عيون الصراع. وفي الوقت نفسه، فقد أصبحت غزة تجسد المعاناة والتطلعات التي لم تتحقق بعد للشعب الفلسطيني. وفي الوقت الذي تكسرت فيه أزمة بعد أخرى حول غزة، فإن صورتها كمكان بائس وخطير قد تعززت إلى درجة أن العديدين يتبنون، بوعي أو بدون وعي، الخطاب الفج والذي يسعى لتبرير استبعاد غزة بوصفها مكانا دون متناول الخلاص والحل. وكما يصف عنوان مؤتمرنا هذا، فإن غزة وسكانها بالنسبة لكثير من بلدان العالم تعيش بشكل كبير "على الهامش".

والوضع الحالي يتناسب مع القالب الذهني المفروض. إن التخفيف الأخير الذي طرأ على القيود المفروضة على استيراد البضائع الاستهلاكية يعد تطورا مرحبا به وجلب بعض الفوائد لسكان غزة، حتى ولو أن دوره في تعزيز الاقتصاد الرسمي محدود ببعض القطاعات وأنه لا يصل إلى درجة حرية تدفق البضائع والأشخاص المنصوص عليها في الاتفاقية الموقعة في تشرين الثاني 2005 بشأن حرية الحركة والتحرك. أن معظم الفلسطينيين لا يزالون يعانون من ظروف قاسية من العزلة. والقليل منهم، إن كان يوجد أحدا منهم بالأساس، قادرون على تجنب آثار الخدمات العامة المشلولة والاقتصاد الرسمي المنهار والتهديدات الجسدية والنفسية جراء النزاع. إنه من البديهي أن هناك حاجة لإجراءات إضافية وأكثر جرأة لفتح غزة على العالم، وتحديدا على الضفة الغربية إضافة إلى القدس الشرقية لتشكيل دولة فلسطينية وذلك في الوقت الذي يتم العمل فيه على إعادة إحياء اقتصادها ووضع سكانها على طريق الانتعاش.

ويعد إغلاق حدود غزة السبب المباشر وراء الفقر المستشري؛ فمع وجود ما يزيد عن 60% من الغزيين يعيشون دون مستوى خط الفقر، وحوالي 40% منهم عاطلون عن العمل وثمانين بالمئة منهم يعتمدون على المساعدات الغذائية. ومع ذلك فأنتم تعلمون أن الإحصائيات لا تروي القصة الكاملة لشعب تبدو أحلامه وآماله قد تأجلت لوقت آخر.

إننا في الأونروا نرى آثار مأساة غزة عن كثب. ففي الشهر الماضي فحسب كان قياسنا لمعدل الفقر المدقع يتجاوز 30% بين الطلاب في أكثر من 100 مدرسة من مدارسنا التي يبلغ عددها 221 مدرسة. وكما يبدو ذلك الرقم قاسيا ومؤلما للغاية، فإنها حقيقة أن أولئك الأطفال يأتون لصفوفهم وهم جوعى ومعتمدون على برنامجنا للتغذية المدرسية من أجل الحصول على الطاقة التي يحتاجون إليها للتعلم وللنمو.

لذا، نعم إن غزة لا تزال تعاني. إلا أن غزة معقدة منطقة غنية بالتعقيدات وبأبعاد مختلفة. إن السؤال الذي ينبغي أن نسأله لأنفسنا -- مع الأخذ بعين الاعتبار أنه سيكون شاقا بالفعل معالجة المشاكل التي يعاني منها القطاع -- هو فيما إن كنا قادرين على ترك غزة على الهامش الذي تقع عليه حاليا مفضلين أن نحول اهتمامنا ومواردنا للآخرين ممن لديهم قضايا أقل إيلاما أو أقل عصيانا على الحل؟ وهل نحن قادرون على النظر نحو الاتجاه الآخر في الوقت الذي لا تزال فيه هذه المدينة المتوسطية وسكانها البالغ عددهم مليونا ونصف المليون محرومون من الاندماج في التفاعل العادي مع العالم؟ وبعبارات أكثر صرامة، هل غزة تستحق أن نبذل جهودنا من أجلها أو هل نحن جريئون بما فيه الكفاية لنعلن أنها قضية خاسرة؟!

وباعتباري ممثلا للمنظمة التي قامت طيلة 61 عاما على حمل العالم الالتزام بالوقوف إلى جانب الملايين من اللاجئين الفلسطينيين، فإنني أجيب بعبارة "لا وبكل تأكيد" على كل واحد من تلك الأسئلة وأؤمن وبقوة بأن هذه هي الاستجابة الصحيحة، ليس فقط للأونروا بل وأيضا للمجتمع الدولي، وتحديدا في هذه اللحظة الحاسمة التي قد تؤثر التطورات السياسية تأثيرا ايجابيا وكما نأمل جميعنا على واقع اللاجئين في الأراضي الفلسطينية المحتلة بما فيها غزة. وإنني لعلى ثقة من أنه ينضم إلي في هذا الإيمان كافة أولئك الذين يتشاركون بالتطلعات نحو السلام والكرامة الإنسانية للجميع. إنني أقول هذا من وجهة نظر ومنظور اللاجئين الفلسطينيين والأونروا، وهي وجهة نظر محددة للغاية، إلا أنها تتواءم تماما مع فحوى هذا المؤتمر ولها قيمة بالمساهمة بأفكار حول الوضع في غزة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أكثر من حوالي 70% من سكان غزة هم من اللاجئين الذين ينحدرون من  فلسطين الانتداب. كما أنني أؤمن بأن آراء الأونروا وتجربتها يمكن أن تقدم غذاء فكريا نافعا لتقوموا بالتداول فيه، لأسباب ليس أقلها أن تركيزنا على التنمية البشرية وأن تقديمنا للخدمات للاجئين مباشرة يمنحنا رؤية فريدة وحميمية لأرض الواقع يشكل جوهرها علاقة الثقة مع مجتمع اللاجئين.

وعلى مر عقود من التفاعل الشامل مع اللاجئين على أرض الواقع، فإننا نستند إلى مورد نعترف بأنه المكون الجوهري لعملنا في مجال التنمية البشرية. وأشير هنا إلى قوة الروح الفلسطينية، ذلك العنصر الإنساني الذي يشجع الناس على الطموح والإنجاز، بغض النظر عن ظروفهم وبرغم كافة الصعاب التي أقل ما يقال عنها أنها مربكة. ولو نظرنا في الاتجاه الآخر، فإنه لربما تكون تلك الصعوبات المربكة التي تواجه غزة هي السبب في أن سكانها قد قاموا بتنمية طاقة إيجابية تظهر آثارها في العديد من الطرق البناءة. وليس ذلك لمجرد الثناء فحسب: فهنالك حراك اجتماعي خاص في غزة، والأونروا تلمسته وتلمست إمكاناته مرات ومرات من خلال العمل مع اللاجئين القادرين من خلال القليل من المساعدة على بناء احتياطياتهم الخاصة لبناء حياة أفضل لأنفسهم ولعائلاتهم. أو استلهمته من خلال التعطش للتعلم ونضوج الشخصية الذين نراها لدى الأطفال في مدارسنا، والقدرات المؤسسية التي يظهرها عملاؤنا المستفيدون من القروض الصغيرة. هذه الخصائص المميزة، وأقولها بافتخار، يجسدها يوميا العاملين مع الاونروا والذين يعملون بلا كلل لتحسين ظروف مجتمعاتهم.  وفي هذه المجالات والعديد غيرها، فإن العامل البشري يبقى القوة الدافعة للعمل التنموي. باختصار فان أهل غزة وقدراتهم الاستثنائية الذين يجعلون من ذلك أمرا ممكنا.

وإذا ما كان حراك غزة يقودها نحو تنميتها البشرية، فإن نفس الحراك يستفيد من الإسهامات التي تقدمها منظمات الإغاثة والمنظمات التنموية الأخرى والتي ستبقي على عملها حتى يتم الانتهاء من الصراع والاغلاقات وتبعاتهم المتراكمة وحتى يتم تسوية الخلافات الداخلية وقيام الدولة الفلسطينية بالكامل. المنظور، إن الدعم الدولي سيبقى متطلبا حاسما في الاستجابة للكم الكبير من التحديات التي يواجهها القطاع.

إن أحد المواضيع التي تعمل على التعريف بالهوية العملياتية للأونروا تتمثل في تركيز الوكالة على خلق فرص للاجئين وتعزيز قدرتهم على انتهاز تلك الفرص.قد يكون من المفيد مع افتتاح مؤتمركم هذا مشاركتكم بعض الدروس ضمن هذا الإطار. إن لدينا الرؤية بأنه في صميم ولايتنا تكمن حتمية الاستثمار في اللاجئين كأشخاص، والاستثمار بطرق تمكنهم من تطوير إمكاناتهم بالرغم من القيود المفروضة وبالرغم من النفي والصراع. إن هذا النهج لهو في صميم ما تعنيه عبارة "التنمية البشرية" بالنسبة للأونروا. لقد كان ذلك واضحا عند بداية عمليات الوكالة ويتجلى على وجه التحديد بالاستثمار الضخم في الأطفال من اللاجئين عبر برنامج التعليم الذي يعد أكبر برامجنا والذي يرمز إلى ما تمثله، وتستمر بتمثيله، الأونروا لأجيال من اللاجئين. إن برنامجنا التعليمي هو تعبير عن الاعتراف بإمكانات اللاجئين الفردية وتعزيزها في اتجاهات تتماشى مع قيم الأمم المتحدة في التسامح حيال التنوع واحترام الآراء المختلفة والحل السلمي للنزاعات واحترام حقوق الإنسان والكرامة للجميع بدون أي تفرقة واحترام سيادة القانون.

إنني أجزم أن الوضع في غزو وبالرغم من الوضع المأساوي والمتواصل يحمل في طياته دروسا هامة يجب الاستفادة وهي مقاربة تضع الأفراد في مركز التداخلات ويركز على إعطائهم أية مساعدة يمكننا إعطاؤها في الوقت الذي يناضلون فيه لتحسين حياتهم ومجتمعاتهم، ومن خلالها تحسين المنطقة. إن هذا شبيه جدا بنموذج الأمن الإنساني؛ وهو مبدأ يؤثر على السياسة الخارجية للعديد من البلدان وهو وثيق الصلة بالشرق الأوسط. إن هذا المبدأ يؤمن بأن ضمان الحاجات الأساسية للأفراد ومساعدتهم على النمو وتحقيق إمكاناتهم يمكن أن يعمل على تحسين حياة الناس وفي نهاية المطاف التقليل من النزاعات. وينتمي التعليم بطبيعة الحال إلى عالم التنمية. إن تجربتنا في غزة، بل وأيضا في الضفة الغربية ولبنان وغيرها من الأماكن، قد علمتنا أن التعليم الجيد هو أيضا وبشكل رئيسي اهتمام استراتيجي للمجتمع الدولي.

ولو أخذ ذلك إلى جانب تركيزنا على اللاجئين كأفراد، فإن مواضيع الخدمات النوعية وخلق الفرص تعمل على تأسيس الفكرة المهيمنة للوكالة التي، بالرغم من أنها تدرك تماما الصعاب التي تتكدس في وجه اللاجئين في غزة وغيرها من الأماكن، تفهم من التجربة بأن قياس التنمية البشرية يمكن تحقيقه على الرغم من ذلك، وتبقى ثابتة في سعيها لتحقيق ذلك الهدف.

إن عمل الأونروا في غزة يقدم العديد من الأمثلة المميزة لكيفية تماثل الخدمات النوعية والفرص المتاحة للاجئين بتعزيز بعضها البعض وبإثبات ذلك على الصعيد العملي. إن برنامج مدارس التميز يعد مثالا ساطعا؛ فهو قد نتج عن الاعتراف بأن سنوات من نقص التمويل التي ترافقت مع آثار الاحتلال وآثار إغلاق الحدود كانت تعمل على تهديد أسس التعليم لما يزيد عن 200,000 طالب وطالبة في مدارس الأونروا. لقد انعكس هذا الوضع الخطير وبشكل دراماتيكي في معدلات الرسوب المروعة للطلبة والتي تكشفت خلال الاختبارات المستقلة التي أجريت في العام الدراسي 2006-2007.

لقد شاهدت شخصيا تلك المبادرات التعليمية وهي تجري في الصفوف الدراسية في مختلف أرجاء غزة. إن تلك المبادرات بمثابة وحي، وكدليل على قيمتها الإنسانية، والنابعة من تفاني العاملين لدي الاونروا فقد أصبحنا نرى أن نتائج بعض الاختبارات للطلبة قد بدأت بالانتعاش مع الأخذ بعين الاعتبار أن أولئك الطلبة يقومون بحل فروضهم المنزلية تحت ضوء الشموع بسبب الانقطاعات اليومية للتيار الكهربائي، أو يعيشون في منازل عملت النزاعات المسلحة والفقر واليأس على تغذية العنف المنزلي والصدمات. إن العديد من البالغين تقهرهم نفس تلك الصعوبات التي يناضل أطفال غزة بشجاعة في مواجهتها. ولهذا السبب بالذات من الضروري أن نستمر بتقديم الدعم لهم.

وهنالك أمثلة رئيسة أخرى على الابتكار وعلى تأسيس فرص حقيقية للاجئين في غزة. إن برنامج "المساواة في العمل" التابع للأونروا مصمم من أجل تحسين مقدرة المرأة على ممارسة حرية الاختيار، وعلى انتهاز الفرص من أجل التطور المهني على الصعيد الشخصي وصولا إلى معالجة التمييز المبني على النوع الاجتماعي وانعدام المساواة على كافة المستويات في الحياة الاجتماعية والاقتصادية. إننا نعمل على دعم سبل وصول المرأة لسوق العمل، بما في ذلك من خلال الاستفادة من الخدمات المقدمة من قبل خدمات التمويل الصغير في الأونروا. ونحن نعمل على رفع الوعي بالعنف المنزلي ونقدم النصح والإرشاد لتعزيز مقدرة المرأة على التكيف مع هذه الظاهرة. كما أننا نوفر للنساء مساحات من أجل التفاعل الاجتماعي والترفيه وتعزيز حق المرأة بحرية الرأي والتعبير عن الذات وذلك من خلال دعم محطة إذاعية مخصصة للمرأة.

وهناك مثال آخر يتمثل في برنامجنا للألعاب الصيفية الذي اجتذب في عام 2010 ما يقارب من 250,000 طفل للنشاط الترفيهي واسع النطاق والوحيد المتوفر لأطفال غزة الذين ترك النزاع ندوبا عليهم. لقد انتعشت الرياضة والفنون والحرف اليدوية ومسرح الأطفال في تلك الألعاب. وقد أظهرت أن أطفال غزة، في داخلهم، مثل الأطفال في نيويورك أو بكين أو القاهرة، وذلك خلافا لتلك الانطباعات السائدة في الخارج.

وهذه ليست سوى أمثلة قليلة على كيف أن اللاجئين الذين نقوم على خدمتهم قادرون على النظر إلى ما وراء قسوة الظروف الفورية في غزة وعلى التركيز، برغم كل الصعاب، على تعزيز فرص العمل وسبل المعيشة المستقلة للاجئين، وزيادة تعلمهم وتطويرهم الذاتي، والعمل على توسيع خيارات الحياة للأفراد في مواجهة الظروف القاسية.

وبسبب الاحتلال العسكري وتفشي العنف وما يزيد على عقد من فرض سياسة الحدود المغلقة، لا يزال سكان غزة يعانون من مصاعب جمة في وجه الحياة الطبيعية. ومن بين أكثر تلك المصاعب وضوحا تتمثل ببطء عملية  إلا صلاح وإعادة بناء الدمار الذي حدث خلال الحرب الأخيرة على غزة وسنوات الصراع والإغلاقات. إن الأمم المتحدة، بما في ذلك الأونروا، لديها خطط واسعة لإعادة إعمار غزة. وقد أصيبت تلك الخطط بالشلل لسنوات نتيجة منع استيراد مواد البناء. لقد كان لذلك عواقب سلبية متعددة. ودعوني أذكر هنا، على سبيل المثال، أثرا واحدا خلفته على التعليم: إن لدينا تصريحا ببناء عدد محدود جدا من المدارس المئة التي يحتاج إليها اللاجئون في غزة؛ وفي هذا العام لم نتمكن من استيعاب ما يقارب من 40,000 طفل لاجئ بسبب نقص الأماكن، وستتفاقم المشكلة بسبب متوسط الزيادة السنوية للطلاب بين مجتمع اللاجئين والتي تبلغ 8,000 طالب. إننا مضطرون للجوء لنظام "الفترتينالورديتين" في جميع مدارسنا في غزة تقريبا، بحيث يكون هناك مدرسة واحدة في الصباح ومدرسة أخرى بعد الظهر. وسيكون علينا الآن البدء بنظام الفترات الثلاث، أو القيام بإنشاء المزيد من المدارس عبر تحويل حاويات الشحن إلى مدارس مؤقتة، وحاليا توجد لدينا مدرسة واحدة كتلك في غزة يدرس فيها 850 طفلا.

إن التخفيف الحالي للحصار لهو أمر مرحب به للغاية ويستدعي التأكيد عليه مرة أخري. ومع ذلك، فإن الوضع لا يزال صعبا جدا، حيث أن معظم المواد اللازمة من أجل إعادة البناء لا تزال خاضعة لإجراءات الاستيراد المرهقة ونقاط العبور التي تتوفر فيها تسهيلات لا تتناسب البتة مع أية حركة تدفق كبيرة من السلع. وبدعم من المجتمع الدولي والسلطة الفلسطينية فان الأمم المتحدة مستمرة بالتفاوض مع السلطات الإسرائيلية من أجل الموافقة على مشاريع إعادة الإعمار. وعلى الرغم من أنه قد تم منح العديد من الموافقات الآن، وأنه قد تم رفع سوية القدرة اللوجستية، إلا أن الاحتياجات الكلية لا تزال بعيدة عن أن يتم الوفاء بها، وخصوصا لإعادة الإعمار وللقطاع الخاص. وفي الوقت الذي نقر فيه بحق إسرائيل في الأمن، فإننا سنستمر بالضغط على السلطات الإسرائيلية من أجل توسعة نطاق وكميات السلع المعدة للاستيراد إلى غزة، وفي الوقت نفسه الإصرار على أن لا يتم التخفيف من الحصار فحسب بل وأن يتم العمل على وضع نهاية له. ومع ذلك، وفي الوقت الذي الذي نقوم فيه بفعل ذلك، فإنه علينا أن لا ننسى بأن هناك قضايا سياسية معقدة وعالقة تكمن في جذور المشكلة. إن أفضل الحلول اللوجستية لن يكون قادرا على حل المشكلة السياسية الماثلة أمامنا.

 


سيداتي وسادتي،

ذلك يقودني إلى نقاطي الختامية. يتحمل المجتمع الدولي المسؤولية عن اللاجئين الذين هم، كأفراد لا يتمتعون بحماية دولة، وبحاجة إلى مساعدة المجتمع الدولي وذلك مثلما هو منصوص عليه في القانون الدولي والأعراف القانونية. إن هذا التعريف المحدد للاجئين، ومسؤوليتنا بالعمل، هما اللذان يذكراننا بأنه لم يكن من المفترض لهم على الإطلاق بأن يكونوا لوحدهم عند القيام بإعالة احتياجاتهم.

وفي ملاحظاتي التي ذكرتها لغاية الآن، قمت بعرض استجابة الأونروا للسؤال الذي يقول "هل نحن قادرون على أن نترك غزة على الهامش؟" لقد أجبت على ذلك السؤال بالنفي وبينت كيف تقوم الأونروا والوكالات الأخرى، وبالرغم من كل الصعاب ومع الاستفادة من القدرة الاستثنائية للفلسطينيين على البقاء ومواجهة الصعاب، وبمساهمة المجتمع الدولي على تذليل الصعاب. وعلى أية حال، فإنه من المهم أن نذكر أنفسنا بأن ولاية تلك المنظمات في المجالات الإنسانية ومجال التنمية البشرية والحماية،  ليست الوحيدة التي تقوم بحمل الواجب فيما يتعلق بالسكان في غزة.

ومن المهم على وجه التحديد الاعتراف بأن الاحتياجات الإنسانية واحتياجات التنمية البشرية، على ضرورتها، لهي مجرد جزء واحد من مسؤولية المجتمع الدولي تجاه تلك الاحتياجات. لقد ساهم المجتمع الدولي بشكل كبير من أجل غزة، ويمكن (بل ويجب) عمل الكثير جدا في الوقت الذي يخف فيه الحصار أكثر وصولا إلى إنهائه المرجو. إلا أنه أكثر أهمية القيام بمعالجة السبب الجذري لتلك الاحتياجات، وعلى وجه التحديد حيث تتقاطع احتياجات وهموم اللاجئين والآخرين مع الواقع السياسي وترتطم بالأسئلة الأكبر التي تواجه الفلسطينيين وتواجه السعي نحو السلام.

وفي حيث أن الأونروا وبشكل واضح ليست لاعبا سياسيا وليست منخرطة في المفاوضات التي نأمل أن تعمل على حل النزاع وما حل باللاجئين على حد سواء، فإنه من واجب الوكالة ضمان أن أولئك المنشغلون بهذه النقاشات الهامة والمتقاطعة يضعون في حسبانهم نقطتين هامتين أود أن ألفت نظركم إليهما في الوقت المتبقي لي للحديث.

النقطة الأولى هي المصالحة بين الفلسطينيين. إنني أعي بالكامل بأن عملية المصالحة ذاتها هي بيد اللاعبين السياسيين لاحتضانها ودعمها. وبالرغم من ذلك فان ردم الاختلافات الفلسطينية له تداعيات ايجابية على مصلحة ومستقبل اللاجئين الفلسطينيين وعلى القطاعات الفلسطينية المتضررة الاخري. وإنني اناشد من أجل أن  تتم استعادة الوحدة الفلسطينية، ومن هذا المنطلق أطالب وبإلحاحية أن لا تبقي مصلحة غزة رهينة بالسياسة. واخفق في دوري، بصفتي ممثلا لوكالة اللاجئين الفلسطينيين، إن لم أنقل لكافة من لهم مصلحة في السلام الإقليمي رسالة بسيطة وواضحة والتي يسمعها المعلمون والأطباء والعاملون الاجتماعيون لدينا يوميا فيما هم يقومون بعمل الأونروا داخل المجتمعات المحلية في غزة، بل وفي الواقع داخل كافة مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين في المنطقة.

والنقطة الثانية هي السلام واللاجئون الذين يرتبط مصيرهم به. وحيث أن اللاجئون قد حل بهم ما حل بهم عام 1948 وأنهم موجودون نتيجة لذلك النزاع، فإن المنطق يحدد أن معالجة محنتهم تعد شرطا مسبقا لحل النزاع. إن الدرجة التي يتم فيها معالجة حقوق وخيارات اللاجئين في التسوية التفاوضية ستؤثر على مصداقية التسوية. إن اللاجئين دائرة هائلة من حيث حجم السكان والتوزيع الجغرافي الواسع والحضور البارز في منطقة مضطربة. إنه لأمر حاسم أن نضع في الاعتبار أن علينا، في النقاشات الصعبة التي من المؤمل أن تؤدي إلى انتهاء النزاع والذي سيكون إيجاد حل عادل لمعاناتهم جزءا منها، أن نضمن أن يبقى اللاجئون ضمن الإطار  المساهم بشكل بناء في جهود العثور على حلول. وللاجئون حصة ودور كبيرين في المستقبل الفلسطيني الإسرائيلي. إن إشراكهم سيؤدي إلى ضمان أن العملية ستستفيد من ثروة الأفكار التي لديهم ليقوموا بطرحها. إن هذا بدوره سيقدم فوائد هامة في تعزيز مصداقية وديمومة عملية السلام. وسأعيد هذه العبارة لأنها هامة: إن اللاجئين الفلسطينيين هم الواقع الذي لا يمكن تحمل تجاهل دورهم وجهودهم الحقيقية والهامة في صنع السلام.

ولهذا كله فإنه ينبغي أن لا يتم تجاهل اللاجئين الفلسطينيين، وذلك يتماشى مع الحاجة إلى نبذ عادة تهميش غزة وإبقاؤها في دائرة الظل. إننا نناشد من أجل جهود حقيقية للمساعدة في إعادة الحياة الطبيعية إلى غزة، مدركين تماما أن التحديات شاقة بالفعل. إن الوضع القاتم الذي يحيط بغزة قد يكون هائلا، إلا أنني أطلب منكم أيضا أن تنضموا إلينا في الإصرار على أنه تتوفر بين أيدينا الوسائل الكفيلة بتبديده.

إن دعوتي اليوم قابلة للتحقيق. دعونا نفعل كل ما بوسعنا من أجل إعطاء الفلسطينيين واللاجئين الفلسطينيين الفرص لتحقيق إمكاناتهم الهائلة؛ والحرية لكي يبنوا لأنفسهم مستقبلا من الكرامة والازدهار؛ والحرية في اتخاذ خياراتهم الخاصة وذلك في الوقت الذي يؤمل أن يكون قد تم فيه اتخاذ الخطوات المطلوبة نحو إنشاء الدولة الفلسطينية.

** أشكركم **

تبرع

كافية لتزويد عائلة بوقود لمدة شهر