"تحديات مستمرة في سياق إقليمي متطور: رؤية الأونروا حيال حالة لاجئي فلسطين"

22 تشرين الثاني 2011

 "اللاجئون الفلسطينيون: أجيال مختلفة ولكن بهوية واحدة"

مؤتمر جامعة بير زيت
21 تشرين الثاني 2011

كلمة المتحدث الرئيسي
فيليبو غراندي، المفوض العام للأونروا

السيد نائب الرئيس، روجر، عاصم، الزملاء والأصدقاء الأعزاء،

إنه لمن دواعي الشرف الحقيقي لي أن تتم دعوتي لإلقاء الكلمة الافتتاحية في مؤتمر عن لاجئي فلسطين، والذين يشكلون مجتمعا تحتل الأونروا مكانة مميزة في تاريخه. وإنني سعيد على وجه الخصوص لأن أعود مرة أخرى إلى هذه الجامعة التي تعد قلعة للتعليم الفلسطيني والعربي، وتعد بشكل قليل أيضا بيتا للأونروا. وفي هذا الخصوص، فقد سرني أن تم الإعلان بأن معهد إبراهيم أبو لغد للدراسات الدولية في جامعة بير زيت والأونروا سيوقعان اليوم مذكرة تفاهم تهدف إلى تقوية التعاون بيننا وتعزيز أهدافنا المشتركة.

وإنني أتقدم بشكري الخالص لكم أنتم أيها العلماء البارزين الحاضرين اليوم لتفانيكم في إسغاب قوة البحث الأكاديمي وحصافته على سعينا المشترك لتحسين رفاه اللاجئين وحمايتهم. إن هذا المؤتمر بمثابة فرصة لمشاركة تقييم الأونروا للحقائق المعقدة والمؤلمة غالبا والتي يواجهها اللاجئون، وذلك في الوقت الذي نتفكر فيه بالحقوق غير القابلة للانقسام والتي يستحقونها، الآن وحيثما كانت إقامتهم وفي سياق التوصل لحل لمحنتهم. إن الحل ينبغي أن يكون مستندا إلى المبدأ الأساسي للعدالة الشاملة. إن أي شيء أقل من ذلك – وهذا يعني أن أي إجراء أو أية مبادرة تستبعد أو تنكر حقوق اللاجئ وتفشل في وضع نهاية لمعاناتهم الطويلة – لا يمكن أن يكون عادلا أو دائما.

واسمحوا لي أن أضيف هنا بأنني سعيد بوجود العديد من الطلاب هنا هذا الصباح ليشاركوننا في نقاشنا.

إن محنة لاجئي فلسطين مرتبطة بالصراع الفلسطيني الإسرائيلي غير المحلول، والذي يشترك معها بهالة من الصعوبة المكتسبة على مر الحروب والأزمات السياسية التي لا تحصى، والتي تخللتها محاولات عديدة لا طائل لها – حتى الآن – للتوصل إلى حلول. إن المجتمع الدولي، بوقوفه عاجزا على التصرف كوسيط نزيه بين الأطراف، يتحمل مسؤولية كبيرة في الفشل السياسي الذريع الذي أظهرته عملية السلام في الشرق الأوسط لغاية اللحظة. إن هذا الأمر، من بين أمور أخرى، قد ولد إحباط هائل في أوساط الفلسطينيين. وبالنسبة للاجئي فلسطين، وبالإضافة إلى خيبات الأمل المتكررة لمحاولات السلام الفاشلة، فإن إحساسا بالاستبعاد من تلك الجهود قد عمل على زيادة الغضب والقلق حيال مستقبلهم. لقد سمعت مرارا وتكرارا اللاجئون يقولون أنهم يشعرون بأنهم منسيون ومهملون بعد مرور 60 عاما من النفي.

إنه لأمر صحيح أن لاجئي فلسطين قد تمتعوا بضيافة استثنائية على مر العقود، وخصوصا في الأردن وسورية، وأنهم حصلوا على دعم دولي كبير سواء من خلال الأونروا أم من خلال العديد من الوسائل الأخرى، إلا أن المساعدات – بسبب الصعوبات المالية – لم تكن قادرة أبدا على الإيفاء بكافة احتياجاتهم. وقد عاش اللاجئون أيضا في بيئات متغيرة على الدوام وغالبا في بيئات مهددة شكلتها قوى محلية سياسية واجتماعية واقتصادية كانت تتفاعل باستمرار مع لاعبين خارجيين لديهم القوة. إن هذه السياقات المتغيرة، والتي كان لتشردها في بعض الأحيان دورا ما، لم تخدم مصالحهم أو تقربهم من تحقيق تطلعاتهم الرئيسة بإيجاد حل عادل، حتى لو كانوا قد خطوا خطوات كبيرة على المدى الطويل في تطوير إمكاناتهم وفي تقديم مساهمات رئيسة لتنمية السلام في مجتمعاتهم والمنطقة. وللأسف، ومنذ عام 1948، فلطالما كانت السمة البارزة لوضع اللاجئين تتمثل في تراكم هشاشتهم، وكان الضعف والانكشاف يعدان تجربة مشتركة للأسف لكافة اللاجئين في المنطقة.

إن تشتت اللاجئين، وبصورة رئيسية في المناطق التي تعمل الأونروا فيها – لبنان وسورية والأردن والأراضي الفلسطينية المحتلة – قد دفع بهم نحو خطوط الصدع المضطربة العرقية والدينية، الأمر الذي جعلهم عرضة لانعدام الأمن في المجتمعات التي يعيشون فيها. ومع كل جولة من جولات العنف، كان يتم إضافة طبقات جديدة من الألم لشعب مجروح كان تعرضه أصلا للطرد في عام 1948 سببا في تجريده من أي شعور أساسي بالأمن والانتماء.

إن التعرض للعنف هو المسة الأكثر وضوحا لهشاشة اللاجئين، إلا أن أنواعا أخرى ومختلفة من الاستبعاد – السياسي والاجتماعي والقانون والاقتصادي – طوقت العديد من اللاجئين في حياة الفقر المدقع مع محدودية الفرص المتاحة لتنمية أنفسهم وتطوير مجتمعاتهم. وخارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن هذا على وجه الخصوص حاد للغاية في لبنان حيث يمنع اللاجئون من التوظيف في غالبية القطاع الرسمي، بدءا من الامتلاك القانون للممتلكات والوصول العادي للتعليم العام أو الخدمات الصحية إلى جانب تلك التي توفرها الأونروا أو المؤسسات الفلسطينية مثل جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. ولتقدير النتيجة النهائية لتلك السياسات، فلا يحتاج المرء سوى للقيام بجولة داخل أحد المخيمات في ضواحي بيروت – كبرج البراجنة أو شاتيلا على سبيل المثال، حيث يعيش عشرات الآلاف في ظروف مكتظة وغير صحية. إن ثراء الحياة الاجتماعية في المخيمات – وهو مصدر للمرونة يعمل على المحافظة على اللاجئين – لا يمكن أن يخفي أو يمحي البؤس والشعور بالإحباط اللذان يبدوان واضحين في كل زقاق.

وحتى في البلدان المضيفة التي منحت لاجئي فلسطين مجموعة مثالية من الحقوق والحريات، بما في ذلك سبيل الوصول للفرص الاجتماعية الاقتصادية، فإن شبح انعدام الأمن والاستبعاد لا يزال ماثلا. ففي الأردن، والتي هي لغاية الآن الأكثر استقرارا بين البلدان المضيفة، فإن اللاجئين فيها مع ذلك يعدون من مرتبة أدنى - ومن بينهم 130,000 فلسطيني تعرضوا للتشريد مرتين، أولاهما إلى غزة في عام 1948 وثانيهما مرة أخرى إلى الأردن في عام 1967 – ويواجهون عقبات أمام دخولهم سوق العمل وحيازة الممتلكات والوصول للخدمات العامة. إن معدل الفقر بينهم والبالغة 64% هي نسبة أعلى بكثير من المعدل الوطني، ولكن فرصهم بالخروج من دائرة الاستبعاد والتهميش محدودة.

وهناك مثال آخر أكثر إلحاحا على هشاشتهم يبرز حاليا في سورية. إن علي أن أوضح بأنه وعلى الرغم من بدء الاضطرابات العنيفة في منتصف شهر آذار، إلا أن لاجئي فلسطين لم يكونوا أهدافا مباشرة لعمليات العنف. وعلى أية حال، فقد حدثت نوبات كانوا خلالها الأشد تضررا جراء الوضع. ففي اليرموك في حزيران، وفي حماة في تموز وفي اللاذقية في آب، على سبيل المثال، امتد العنف إلى مناطق يقكنها اللاجئون، وكان لذلك في بعض الأحيان عواقب مأساوية. إن تقييمنا الخاص هو أن تلك كانت مجرد أحداث ولا تشكل نمطا. ولكن وفي الوقت الذي تأمل فيه الأونروا بأن يستمر اللاجئون بمنأى عن الأسوأ، إلا أن الأحداث في سورية تعد دليلا على أن التعرض للعنف وغير ذلك من أشكال الهشاشة ليست بعيدة أبدا عن حياة لاجئي فلسطين في الشرق الأوسط.

إلا أنه وقبل كل شيء، فإن الفلسطينيين ولاجئي فلسطين هنا في الأراضي الفلسطينية المحتلة يرون حقوقهم وكرامتهم تتعرض لأشد أشكال الانتهاك. إن كافة جوانب حياتهم الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تقريبا قد تكشفت في وجه الاحتلال الإسرائيلي وهياكله القسرية للحرمان. إن الفلسطينيين (بمن فيهم اللاجئين الذين يشكلون 40% من إجمالي عدد السكان) قد توجب عليهم أن يتعاملوا مع 44 عاما من الاحتلال العسكري.

وفي غزة، لا يزال الحصار غير القانوني يعمل على تفتيت حياة مليون ونصف من السكان، 70% منهم من اللاجئين المسجلين لدى الأونروا. وبالنسبة لبعض المراقبين، فإن هذه الآثار ليست واضحة على الفور حيث أن تدفق البضائع عبر الأنفاق الأرضية التي تربط غزة بمصر يعمل على ضمان أن البضائع الاستهلاكية متوفرة، على الأقل لأولئك الذين يستطيعون تحمل تكاليفها. وبالإضافة لذلك، فإن التخفيف الجزئي المرحب به على القيود والذي أعلنت عنه إسرائيل في العام الماضي قد سمح تدريجيا للأونروا ولوكالات الأمم المتحدة الأخرى بالبدء بإعادة بناء البنية التحتية التي تعرضت للتدمير أو التلف خلال سنوات النزاع، على الرغم من أن الإجراءات المرهقة؛ إضافة إلى تأثير الاختناق الناجم عن الاضطرار للجوء إلى تمرير كافة البضائع عبر نقطة عبور واحدة ذات قدرات محدودة، ما يعني أن مشاريع إعادة الإعمار لا يمكن أن يتم تنفيذها إلا بواسطة الوكالات الدولية وبوتيرة غير كافية إلى حد كبير بالنظر إلى احتياجات السكان.

ولا ينبغي لأحد أن ينخدع من غياب الجوع الواضح في غزة أو من المظهر الخارجي للشوارع المزدحمة والصاخبة: فذلك مجرد حجاب رقيق من الحياة الطبيعية الذي يخفي وراءه بؤسا عميقا من المعاناة البشرية التي تؤثر على كافة أوجه الحياة لأشخاص طبيعيين في بيئة حضرية كبيرة ومتقدمة – كاقتصادهم المنزلي وتوفر الخدمات الأساسية ونوعيتها ومياه الشرب النظيفة وإمدادات منتظمة للكهرباء وذلك من بين أمور أخرى كثيرة. وفوق كل شيء، فإن الحصار الإسرائيلي يعمل على خنق الاقتصاد، وخصوصا بسبب منع الصادرات للأسواق التقليدية وإسرائيل نفسها والضفة الغربية: إن غزة حاليا تستورد البضائع التي كانت تقوم بتصديرها في يوم من الأيام. لقد عمل الحصار على تدمير القطاع الخاص الذي كان مزدهرا، كما عمل على تدمير الإمكانات الغنية للزراعة وصيد الأسماك، وأخيرا وليس آخرا تدمير دورها كقوة من أجل السلام والاستقرار.

وينبغي للمرء بطبيعة الحال أن يذكر قدرة الأشخاص على التنقل بحرية أكبر داخل وخارج قطاع غزة، وهو الأمر الذي يكافح الغزيون من أجله باستمرار. إن هذا الوضع يجعل من التنازلات الصغيرة وكأنها تقدما كبيرا، بالرغم من أن حرية الحركة تعد حقا أساسيا يعده معظم الأشخاص في العالم أمرا مفروغا منه. إن القيود الشديدة التي تفرضها كل من إسرائيل، ومؤخرا جدا مصر، تعمل على مفاقمة الظاهرة الأعمق والأكثر دراماتيكية للحصار – وأعني الكيفية التي تؤثر بها على نفسية الإنسان من خلال غرس إحساس لديه بالعزلة العميقة والدراماتيكية. إننا نختبر ذلك مباشرة من خلال عمل المستشارين في عيدات الصحة العقلية التابعة لنا (والتي هي نفسها عرضة لخطر الإغلاق في العام القادم إذا لم يتم توفير تمويل عاجل لها من قبل المانحين). إن أولئك الموظفين مشغولون بتقديم الدعم النفسي الاجتماعي لآلاف الغزيين المتضررين من الوضع ومن نشر الأسلحة الثقيلة على الأهداف في غزة قبل وأثناء الحرب التي دارت رحاها في شتاء عام 2008. إن كل توغل عسكري داخل القطاع يعمل على تجديد الصدمة العميقة والضغوط النفسيةالتي أصبحت ميزات قياسية للحياة في غزة. وكل تهديد بتصعيد عسكري،مثلما حدث في الأسابيع الماضية، يبعث موجات من الرعب في أوساط المجتمعات في القطاع.

إن ما تنقله تلك الحقائق هو أن الوسائل العسكرية لمعالجة النزاع، بما في ذلك معاقبة شعب بأكمله يعاني أصلا من الحصار، وبما في ذلك إطلاق الصواريخ، يؤثر على المدنيين ولا يعمل بالتالي على خرق قوانين الحرب فحسب بل وأيضا إطالة أمد المحنة العميقة والمتنوعة وغير المحتملة التي يعاني منها شعب غزة.

ولست أقترح وجود حل بسيط للأزمة في غزة، وذلك بوجود انعدام التناسق في القوة وبرامج العمل التي يبدو أنها ليست قابلة للتوفيق. ولست أقترح بالمناسبة أن الخلاف الأخير بين الفصائل الفلسطينية الرئيسة قد جعل الرغبة بالسلام أو الوسيلة لتحقيقه قد أصبحت أسهل. وفي هذا الخصوص، اسمحوا لي أن أعيد تقدير الأمين العام للأمم المتحدة لجهود المصالحة ونصائحه بأن تجري تلك الجهود بطريقة تفضي إلى تحقيق السلام.

وكما تعلمون جميعكم من واقع تجربتكم اليومية، فإن الاحتلال العسكري في الضفة الغربية يأخذ أشكالا أكثر تعقيدا. إن القيود المفروضة على الحركة، بما في ذلك الجدار العازل في الضفة الغربية، تعد الأكثر عدوانية والأشد خنقا حيث أن حركة الفلسطينيين لا تحدث إلا بإذن من السلطة الحتلة. وبدون الحرية بالتنقل بحرية، فإن الفلسطينيين محرومون بطريقة منهجية من أحد الشروط الأساسية للحياة الطبيعية.

وهناك مظهر آخر من مظاهر الاحتلال وهو الدورة المستمرة من هدم المنازل والإخلاءات ومنع تصاريح البناء الت ييتعرض لها الفلسطينيون – بما في ذلك اللاجئون – ومنازلهم وممتلكاتهم، وخصوصا في القدس الشرقية. إن معدل ووتيرة عمليات الهدم لا تترك أي مجال للشك حيال الطبيعة المنهجية والمتعمدة لتلك الممارسات.

وفي الوقت نفسه فإن المستوطنات الإسرائيلية تتوسع بشكل لا هوادة فيه فوق الأراضي الفلسطينية في كافة أرجاء الضفة الغربية. ومن بين العديد من الأمثلة، اسمحوا لي أن أذكر قرية الولجة، وهي قرية لاجئين تقع جنوب القدس. إن عدة زيارات لهناك قد تركت لدي صورا لا تمحى من زحف المستوطنات بتقدم مطرد فوق أراضي ذلك المجتمع مخلفة سياجا يحول بينها وبين مالكيها الأصليين الذين يحرمون من الإذن لبناء أي شيء فوقها والذين يتم هدم منازلهم بشكل منهجي بدون رحمة. وفي كل زيارة كنت أقوم بها، كان وضع المجتمع المحلي يزداد سوءا.

إن السياستان التوأم اللتان تتمثلان في هدم المنازل الفلسطينية وتوسعة المستوطنات تعملان على إثارة قضايا سياسية، وإنني أشير هنا إلى إمكانية تطبيق حل دائم وشامل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي الذي يتضاءل بشكل مطرد مع كل لبنة يتم وضعها في تلك المستوطنات. وعلى أية حال، فإن تلك أيضا قضايا لها كلفة بشرية هائلة؛ حيث يقدر أن هناك ثلاثة آلاف أمر هدم تستهدف المنازل والممتلكات الفلسطينية لا تزال في انتظار أن يتم تنفيذها في الأشهر القادمة. إن هذا سيسبب معاناة حادة لا توصف للآلاف من الأشخاص. إننا في الأونروا قلقون على وجه الخصوص لوضع العديدين منهم – وههم عائلات اللاجئين الذين يعيشون لعقود في المنفى – والذين سيعني هذا الوضع بالنسبة لهم نزوحا إضافيا من أجل إعطاء مساحة لخلق مشروع استيطاني غير شرعي، وخصوصا في القدس الشرقية وحواليها. إن علينا أن لا نقع فريسة الوهم، فما لم يتم اتخاذ إجراء حاسم من قبل المجتمع الدولي لوقف هذا الاعتداء، فإن الأسوأ لم يأت بعد.

السيدات والسادة،
بالنظر إلى هذه الصورة غير المشجعة، فإنه من الطبيعي أن نسأل عن النطاق الحقيقي لدور الأونروا وأثره سلبا في سياق اللاجئين الذي يتشكل بوساطة السياسة الجغرافية والنزاعات التي تأتي معها. وفي نهاية المطاف، فإننا منظمة تنمية بشرية وإنسانية وليست لنا أي ولاية للتعامل مع النزاع بحد ذاته.

وفي غياب حل عادل لقضية اللاجئين، كما يعرف الجميع، فإن ولاية الأونروا تتمثل في تعزيز رفاه اللاجئين وحمايتهم. وإلى جانب تقديم الإغاثة في أوقات النزاع وحالات الطوارئ الأخرى، وبالتزام سخي من الجهات المانحة قمنا باستثمار ما يزيدعن 4 مليارات دولار في التنمية البشرية للاجئين في السنوات العشرة الأخيرة لوحدها، وذلك بإدخال تحسينات ملموسة على الحياة الاجتماعية والاقتصادية لمجتمعات اللاجئين، ومحاولة تمكين الأفراد، وخصوصا الشباب منهم، للحصول على ولاستحداث الفرص التي تساعدهم على أن يقودوا حياة أكثر أمنا وأكثر إيفاءا.

وعندما يتم تسمية إحدى اللاجئات من مخيم عين الحلوة، والتي درست في أمريكا بعد تخرجها من مدارسنا، من قبل وكالة أبحاث الفضاء الأمريكية (ناسا) للمساعدة في إجراء أحدث الأبحاث العلمية ويتم بعد ذلك منحها منحة دراسية كاملة لمتابعة دراسة الدكتوراة في واحدة من الكليات العلمية الرائدة، تكون الأونروا قد قامت بتحقيق هدفها.

وعندما نقوم بإعطاء قرض لأم عائشة، وهي سيدة أعمال تعمل في القطاع غير الرسمي في غزة لم تكن لديها أية وسيلة أخرى للحصول على رأس المال، من أجل مساعدتها في توليد دخل يسمح بإعالتها وإعالة أفراد عائلتها البالغ عددهم 26 فردا يعتمدون بأكملهم عليها، فنحن نكون قد عملنا على إيصال هدفنا في استحداث وخلق فرص عمل.

وعندما تدخل الأونروا، كما حدث في عام 2010، في شراكة مع عائلة الأمم المتحدة والحكومة اللبنانية من أجل إضفاء الشرعية على حقوق اللاجئين الفلسطينيين للعمل في مجموعة من المهن كانوا ممنوعين من العمل بها في السابق، الأمر الذي نتج عنه تعديل غير مسبوق على تشريعات العمل، فإننا نسعى إضافة لذلك إلى تحقيق غايتنا من خلال ضمان أن الحقوق الممنوحة تصبح ممارسة عملية وإمكانية أن يتم تحقيق الأمن الإنساني الأساسي للاجئين الذين طالت معاناتهم في لبنان.

وإنني أعتبر أن خلق فرص العمل يعتبر جانبا هاما بدرجة حاسمة لعمل الأونروا. وهو يقع في صميم ما نقوم بفعله، وما يجب علينا أن نفعله أكثر، لتحسين نوعية حياة اللاجئين الذين نقوم على خدمتهم. واسمحوا لي أن أتوسع هنا وأن أتخذ كنقطة انطلاق لي وضع شباب لاجئي فلسطين في الأراضي المحتلة حيث يواجهون وتواجه الأونروا معهم بعضا من أكثر التحديات شدة.

إن الشباب ممن هم في الخامسة والعشرين من العمر أو أقل يتجاوز عددهم أكثر من نصف عدد السكان. إن هذا يعني أن غالبية الفلسطينيين هنا قد عاشوا حياتهم كلها في ظل الحكم العسكري الإسرائيلي. إن ذلك هو واقعهم التكويني. وضمن هذا الوضع السكاني، فإن الشباب اللاجئين يعدون عرضة للمخاطر بشكل فريد. وفي الوقت الذي تعد البيانات فيه مقلقة، فإن على المرء أن يضعها مقابل المنطقة ككل من أجل أن يقدر حقيقة آثارها المروعة.

بمعدل 23%، فإن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لديها أعلى معدل للبطالة بين الشباب مقارنة بأي منطقة أخرى في العالم، وذلك وفقا لما سجلته منظمة العمل الدولية في تقريرها الشامل الذي أطلقته في أواخر العام الماضي. وفي الأأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن هذه النسبة تقترب من حاجز 50%، فيما تصل في غزة إلى 66%. ولدى الأخذ بعين الاعتبار بأن هذه المعدلات تتجاوز تلك التي وجدت في تونس ومصر، حيث ساهمت تلك المعدلات في إشعال فتيل الربيع العربي، فلن يكون هناك أي شك بأن الظروف القاسية التي يتعامل معها الشباب الفلسطيني بشكل يومي.

وفي ظل هذه الخلفية من الحرمان القسري، وبما لها من آثار سلبية على الشباب اللاجئين، فإن الحاجة إلى إرساء أسس للتنمية البشرية والفرص تحظى بأهمية خاصة. وعلى الرغم من العقبات العديدة والمتغيرة على اللاجئين وعلى مقدرة الأونروا على تحسين أثرها – بما في ذلك النقص المستمر للموارد – فإنني أؤمن بأن على الأونروا أن تستمر بالعمل من أجل تمكين الشباب اللاجئين ومساعدتهم على الإمساك بزمام مستقبلهم.

إن هذا جهد تسعى الأونروا للقيام به في كافة جوانب عملها الرئيس وذلك من خلال الابتكار في برامجها، بدءا من التعليم الابتدائي (المساهمة الأكثر أهمية للأونروا في مستقبل لاجئي فلسطين) وحتى التدريب الفني والمهني؛ وبدءا من برنامج صحي محسن يركز على أساليب الحياة الصحية وعلى العائلات والمجتمعات وحتى الاستثمارات الاقتصادية التي تعد متواضعة ولكنها متنامية من حيث الكمية والنوعية على حد سواء – من خلال برنامج التمويل الصغير ومن خلال الجهود المبذولة لتحديث أنشطة الإغاثة عن طريق تأسيس شبكة اجتماعية للأمان الاجتماعي تكون مناسبة وتستهدف الفقراء والأشد عرضة للمخاطر.

إن العديد من تلك الجهود، والتي بسببها لا يزال دعم اللاجئين وأصحاب المصلحة أمرا حيويا، تجري من خلال إصلاحات برامجية شاملة يمكن حاليا رؤية آثارها الملموسة بالفعل في بعض المجالات. خذوا على سبيل المثال المراكز السكنية للتدريب الفني والمهني التابعة لنا، والتي تمكن الطلبة من المجتمعات الريفية النائية ذات الدخل المنخفض – بما في ذلك المرأة – من الحصول على شهادات الدبلوم وبناء مستقبلهم المهني. كما أنها تمكن الطلبة من غزة والضفة الغربية من الدراسة سويا وتساعدهم في جسر الهوة الإشكالية. ونحن نسعى لجعل المهارات التي يتم تعلمها ذات صلة أكبر بسوق العمل، ولدمج التكنولوجيات الأحدث حيثما تسمح الموارد بذلك، مما يخلق فرصا وظيفية أوسع في مجموعة متنوعة من الحرف. وفي الضفة الغربية، فإن أحدث البيانات تشير إلى أن ما يزيد عن 81% ممن تدربوا لدينا قد حصلوا على عمل، وذلك بالمقارنة مع أقل من 70% لدى نفس الفئة العمرية ككل.

أو خذوا مثلا الإقراض الصغير – وإنه ليسعدني أن يكون مدير برنامج الإقراض الصغير معنا هنا هذا اليوم -  والذي من خلاله قمنا عبر السنوات العشرين الماضية بالمساهمة في وضع القوة الاقتصادية بأيدي مجموعة من المجموعات المعرضة للأخطار بمن فيها النساء، ومؤخرا جدا الشباب. ففي عام 2010، حصل الأشخاص ممن أعمارهم بين 18 وحتى 30 عاما على ما مجموعه 4000 قرض بلغت قيمتها 5,7 مليون دولار من برنامج الإقراض التابع للأونروا. وبالإجمال، فمنذ تأسيسه في عام 1991، استثمر البرنامج ما يقارب من 300 مليون دولار في المنطقة.

السيدات والسادة،
يبقى اللاجئون الفلسطينيون، بشكل كبير، في المواقع التي فروا إليها بعد تشتتهم في أعقاب الأأحداث التي جرت عامي 1948 و 1949. وبشكل طبيعي، فإن عددهم قد ازداد – حيث أن عدد المسجلين لدينا الآن يبلغ 4,8 مليون شخص، أي حوالي ستة أضعاف عدد اللاجئين عام 1948. وبالرغم من مرور الزمن، فإن اللاجئين ليسوا أقل تصميما عن السابق على طلب التعويض جراء الظلم الذي عانوا منه وعلى المطالبةبالاعتراف بمحنتهم وتعويضهم عما لحق بهم من خسارة عندما أجبروا على ترك بيوتهم. إن أعدادهم ومركزية تاريخهم وهشاشة السياقاتالتي يعيشون فيها تجعل منهم مكونا هاما – بل وأجرؤ على القول مكونا حاسما – ليس لحراك البحث عن السلام فحسب، بل وأيضا للتوازن السياسي الجغرافي في الشرق الأوسط.

إن غالبية اللاجئين، كما تعلمون، هم أصغر من أن يعرفوا "البيت" الذي يتحدث عنه آباؤهم وأجدادهم. وعلى أية حال، وللإشارة إلى عنوان هذا المؤتمر، فإن هوية اللاجئ ليست قابلة للتجزئة عندما يتعلق الأمر بالتأكيد على الحقوق الأساسية للاجئين في إيجاد حل لمحنتهم والتي هي ليست عادلة فحسب بل ومتوافقة أيضا مع القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، والتي تستجيب أيضا لتطلعاتهم ومطالبهم. إن هذا استحقاق أساسي يشكل الهوية الجمعية للاجئين.

وبالتالي فإنه قد لا يكون هناك أمر أكثر وضوحا من أن أي عملية قد تفضي إلى حل للنزاع ينبغي أن تشتمل على اللاجئين – منخرطين فيها كجماعة لها مصالح معينة – وتتصدى لإنفاذ هذا الاستحقاق. وبدونهم – باعتبارهم مكونا استراتيجيا يؤثر على توازن المنطقة – فإن العدالة لن يتم تحقيقها ولا يمكن للسلام أن يكون دائما.

وفي الواقع، فإنه ببساطة لا يمكن أن يكون هناك سلام في الشرق الأوسط ما لم يتم إخراج لاجئي فلسطين من حالة الطرد والنفي التي عاشوها طيلة 63 عاما. وستستمر الأونروا بالدفاع عن أن اللاجئين يجب أن ينخرطوا في سياق النقاشات التي تجري بين اللاعبين السياسيين، بما في ذلك الأطرافز وعلى تلك النقاشات بدورها أن تكون مستندة إلى القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وأن تعكس وجهات النظر والخيارات الواعية للاجئين.

نحن لسنا بساذجين. إننا نفهم تعقيدات النزاع والحلول الممكنة له. ونحن نقدر أن الصفقات السياسية هي صفقات صعبة وتتطلب تنازلات من قبل الأطراف والتي تكون مؤلمة في بعض الأحيان – وخصوصا عندما تكون القضايا وجودية بشكل عميق كما هو الحال بالنسبة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ونحن نعلم أن التشاور مع اللاجئين يعد تمرينا مليئا بالتحديات.

إلا أن العديد من الأمور التي كانت تبدو أنها مجرد أمنيات قبل أشهر قليلة في هذه المنطقة قد أخذت بالتغير بشكل كبير ولا رجعة فيه نتيجة ما يسمى "بالربيع العربي". وإذا ما استطاع المصريون واليبيون والتونسيون في طرد الطغاة وأصبحوا يطالبون – بل ويحصلون جزئيا – بتأسيس عمليات سياسية يحظى الجميع خلالها بصوت؛ وإذا ما كان يجري الطلب من الأنظمة غير الديمقراطية بالاستجابة لمطالب شعوبها؛ فإنه من المنطقي إذن أن يكون للفلسطينيين أيضا الحق في أن يسمع صوتهم وأن يكون لهم الحق بأن يكونوا ممثلين بصورة عادلة في العمليات التي ستقرر مستقبلهم – وهو أمر يتمتع بأهمية خاصة لنا في هذه الجلسة -. إن هذا سيتطلب – بطرق مختلفة ومن وجهات نظر مختلفة – شجاعة والتزاما من قبل قادة مجتمع اللاجئينوالقيادة الفلسطينية، ومن قبل دولة إسرائيل والمفاوضين من أجل السلام ومن قبل المجتمع الدولي ككل. إن هذا سيكون جهدا صعبا، إلا أنه جهد يمكن أن يحقق نتائج هامة من حيث التوصل للسلام واستدامته.

ويمتلك اللاجئون الفلسطينيون حصة كبيرة في مستقبل عادل ومستقر للشرق الأوسط؛ وهي حصة يتوقف عليها مصيرهم ومصير أطفالهم. ونظرا لأعدادهم ونزوعهم للتحصيل العالي، فإنهم يشكلون مستودعا كبيرا من رأس المال البشري القادر على المساهمة في قوة واستقرار المنطقة وفي مستقبلهم أمتهم. وإنه ليتعين علينا في نهاية المطاف، مهما طال الأمر، أن نستجيب لمطالبهم بالعدالة.

** إنتهى **

كافية لتزويد عائلة ببطانية