خيوط الحياة في المخيم النائي

05 تموز 2010

في مخيّم الرمدان النائي للاجئين الفلسطينيين تصوغ إحدى النساء مستقبلاً أفضلاً لعائلاتها إنطلاقاً من الصفر

05 حزيران/يونيو 2010
دمشق

نساء لاجئات تعمل في القش والخرزيتكوّم الخرز والخيوط وقطع القماش والإبر والكشتبانات فوق طاولة القهوة المستديرة التي تزيّن غرفة المعيشة، وتتبعثر حولها على الأرض كرات غزل عديدة بكل الألوان والتراكيب التي يمكن تخيلها، وتتناثر فوق السجّادة بعضٌ من قطع النسيج المحبوكة بأشكال متنوّعة ومقص وأشياء صغيرة ناعمة متناثرة هنا وهناك لاحصر لها. وفي وسط هذا كله تصنع تلك المرأة التي لاتكل ولاتمل المعجزات من هذه الأشياء التي تحيط بها بيديها المتواضعتين الواسعتي الخيال. اسم هذه المرأة هو رجاء حجّو وقصتها ذات جمال وحبكة يعادلان جمال وحبكة التطريزات التي تبدعها.

تتحدث رجاء التي تبلغ من العمر 51 عاماً عن قدراتها التطريزيّة قائلة: "أنا سعيدة جداً وفخورة وراضية بما أقوم به، وسعيدة قبل كل شيء لأني أحصل على شيء جيّد منه. فلقد مكنني هذا العمل من الحفاظ والإبقاء على نفسي وعلى جميع أفراد أسرتي طوال السنوات القليلة الماضية".

جاء والدا رجاء إلى سورية من منطقة بحيرة طبريّة في فلسطين هرباً من ويلات الحرب وسلب الممتلكات عام 1948 واستقرّا في مخيم اليرموك. وهناك ولدت وترعرعت رجاء وذهبت إلى المدرسة وصنعت شبكة إتصالات قويّة أثبتت في وقت لاحق من حياتها أنها جوهرية لبقائها ولبقاء أحبّائها. وكأنها كانت تتنبأ بمستقبلها فقد التحقت عام 1976 في دورة تدريبية للخياطة وصنع الملابس في المركز الإجتماعي في المخيم. غير أنها لم تحظ بفرصة ممارسة موهبتها المكتسبة الجديدة فقد اعترض الحب طريقها وأخذها إلى الرمدان.

الانتقال الى الرمدان

وبحلول عام 1979 تبعت رجاء المتزوجة حديثاً زوجها إلى مخيم اللاجئين الفلسطينيين النائي الذي يقع على حافة الصحراء السورية والذي يبعد 70 كيلومتراً خارج مدينة دمشق. ومع اقتصاد غني يعتمد على الزراعة بدت المنطقة الغنية بأشجار الزيتون وكأنها المكان الأمثل لتأسيس أسرة. وهكذا كان، فقد أنجبت رجاء سبع فتيات جميلات وفتى وسيم. وكانت تقوم بأداء واجباتها الواسعة كزوجة وكأم فعاشت حياة هانئة وآمنة. غير أن القدر كان يخطط لها شيئاً مختلفاً. وبحلول أواخر التسعينيات من القرن الماضي أصاب المنطقة جفاف قاسي تاركاً رجاء ومعظم سكان الرمدان دون مورد للرزق. وازدادت الأمور سوءاً عندما فقد زوجها عمله. لقد كان وقتاً عصيباً على الجميع.

وتقول رجاء المرأة الحازمة بنبرتها التوكيدية: "كان زوجي عاطلاً عن العمل، لذا فقد قررت أن أمد له يد العون. وكان علي أن أفكر في في طرق لإعالة أطفالي وخصوصاً أنني لم أرد لهم أن يتركوا المدرسة، ومن هنا جاءت فكرة استخدام معرفتي في الحياكة والتطريز".

نجاح المشاريع الصغيرة

وفي عام 2002 بدأت رجاء العمل في الحياكة والخياطة والتطريز بتصاميمها الخاصة بها، وباعت منتوجاتها الجميلة إلى جيرانها أولاً في منطقة الرمدان وحولها. وبعد أن حقق هذا المشروع الجديد نجاحاً كبيراً بدأت رجاء بتوسيع آفاقها حتى وصلت إلى مخيم اليرموك نفسه. وبعد مرور ثماني سنوات كانت قد أسست شبكة توزيع صغيرة تتضمن عدة مخارج وفريقأً مؤلفاً من 15 بنتاً قامت بتدريبهن بنفسها بالتحديد لتقديم المساعدة التي هي بأمس الحاجة لها عندما يتطلب الأمر إكمال طلبيّة لأحد الزبائن في الموعد المحدد. وهي قادرة على إنتاج أكثر من 200 قطعة في الشهرإذا لزم الأمر، بما في ذلك الفساتين والشالات والسترات وحتى شمّاعات النباتات.

لقد تطلب ذلك كثيراً من العمل الشاق والتضحيات. فكونها أمّاً لثمانية وربّة بيت وربة عمل صغير ليس شيئاً سهلاً، وخصوصاً إذا ما كنتي لاجئة فلسطينية تعيشين على حافة الصحراء. ومع ذلك فإن كل قطرة عرق سالت تستحق هذا العناء، وابتسامة رجاء تؤكد ذلك. وقد حصل كل فرد من أسرتها من خلال عملها على درجة، كما استطاعت الحفاظ على بيتها ودعم زوجها المريض. وتمكنت بطريقة ما من تحويل الرمدان، وهو من أفقر مخيمات اللاجئين في سورية، إلى جنّة مرة أخرى. فحوض الياسمين الفوّاح الذي يختفي خلف غرفة عمل رجاء هو مجرد مثال على ذلك. ويمكن للأمور أن تكون أكبر من ذلك وأكثر إشراقاً وأكبر سعادة لهذه المرأة المجدّة طيبة القلب وذات التوجه العملي التجاري لو أن قرضاً صادف طريقها ليوسّع آفاقها وآفاق أسرتها أكثر فأكثر.

النص والصور من إعداد دييغو غوميز-بيكرنغ

لتوفير ممرضة توليد لضمان ولادة آمنة للمولود الجديد.