كرامة وحقوق

20 حزيران 2014
المفوض العام بير كرينبول
أزمة لاجئي فلسطين 
مقال رأي بمناسبة اليوم العالمي للاجئين بقلم المفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين بيير كرينبول

تم مؤخرا السماح لمئة وعشرين طفلا فلسطينيا بالخروج من اليرموك، وهو مخيم للاجئين الفلسطينيين في دمشق، من أجل تقديم الامتحانات العامة. وقد خرج أولئك الأطفال الذين يبلغون من العمر أربعة عشر عاما من ساحة الرعب التي يعدونها منزلا لهم وهم ما زالوا يعانون من الرعب وصدمة القصف، ما يجعلهم ضحايا لواحد من أبشع النزاعات في وقتنا الحاضر.

وبعد أسبوعين تم السماح لأولئك الأطفال بالعودة ليلتئم شملهم بعائلاتهم إلى حيث تعمل المعونات الغذائية للأمم المتحدة على تلبية ربع الاحتياجات الغذائية لحوالي 18,000 مدني محاصرون هناك في بيئة قاسية بشكل غير عادي يمكن أن يؤدي غياب الرعاية الطبية فيها إلى حدوث وفيات جراء حالات كان يمكن بسهولة معالجتها وشفائها في وضع مغاير.

لقد كانت تلك لحظة حلوة ومرة في آن معا، ولحظة مأساوية عميقة عملت وبقسوة على كشف الوضع العبثي الذي يواجهه أولئك الطلبة الصغار. وعلاوة على ذلك، فهي كناية تغلف بشكل عميق مسألة عدم استدامة وبقاء أزمة لاجئي فلسطين على ما هي عليه.

إن أكثر من نصف اللاجئين المسجلين لدى الأونروا في سوريا والبالغ عددهم 550,000 شخص قد تعرضوا للتشريد بسبب النزاع مع تحول أكثر من نصف مخيمات اللاجئين الفلسطينيين التي تعمل فيها الاونروا، والبالغ عددها 12 مخيما، إلى ساحات حرب. وفي يوم اللاجئ العالمي، فإن محنة أولئك السكان الذين غالبا ما يتم نسيانهم ينبغي أن يتم الاعتراف بها وأن يتم فهم السياق الدراماتيكي الذي يعانون فيه وبكامل تعقيداته من أجل البقاء على قيد الحياة.

وبعيدا عن سورية، فإن عدم الاستدامة واستحالة بقاء الامور على حالها يواجه لاجئي فلسطين الذين يعيشون في الضفة الغربية، حيث الاحتلال الإسرائيلي وتوسعة المستوطنات عميق، متشعب  ومتعدد الأوجه. إن لاجئي فلسطين يخضعون لنظام قاس من تقييد الحركة  يمنعهم من حرية التنقل. البدو الفقراء في الضفة الغربية يواجهون عمليات هدم للمنازل ومصادرة للأراضي. ويواجه الأطفال والمدنيون العاديون تهديدات متزايدة جراء استخدام الذخيرة الحية من قبل الجيش الاسرائيلي. وقد أدى الجدار العازل إلى تدمير مجتمعات بأكملها. إن الاحتلال رديف لاجتثاث التنمية وللحياة الاقتصادية المخنوقة بما يصاحبها من تجليات مدمرة على الإنسان الفلسطيني. ولعله من المفيد الاشارة الى أن  معدل انعدام الأمن الغذائي بلغ ما نسبته 33%، ما يؤثر على 1,6 مليون شخص وفقا لآخر مسح غذائي قامت به الأونروا.

أما في غزة، فإن لانعدام التنمية العديد من المقاييس؛ وواحد من تلك المقاييس كان صادما لي بشكل عميق. إن عدد لاجئي فلسطين الذين يأتون للأونروا من أجل تسلم المعونات الغذائية قد ارتفع من 80,000 شخص في عام 2000 ليصبح أكثر من 800,000 في يومنا الحاضر. وقد التقيت مؤخرا في غزة بأحد رجال الأعمال الذين كان عمله مزدهرا في السابق وأصبح اليوم يقف في الطابور لتسلم معونات الأونروا الغذائية، ما يعد تحولا مأساويا يعمل على إضفاء وجه إنساني لمفهوم انعدام الاستدامة وبقاء الحال على ما هو عليه اليوم. وانعدام التنمية لها أوجه اخرى؛ فالبطالة في أوساط الشباب تبلغ 65%، وهي عند النساء تبلغ 80%. إن لانعدام الاستدامة جانبا بيئيا مقلقا في غزة؛ حيث أن 90% من المياه غير صالحة للشرب، ومن المحتمل أن تصبح المياه الجوفية بالكامل غير صالحة للاستهلاك البشري بحلول بداية عام 2016، وسيكون الوضع غير قابل للإصلاح تماما في عام 2020 إذا لم يتم تغيير السياسات الحالية. وهنالك إشارات حالية قليلة جدا تدلل على أن الوضع لن يزداد سوءا.

إن التوقعات المستقبلية لأعداد لاجئي فلسطين يمكن أن تخدم في تسليط الضوء على عدم استدامة أزمة اللاجئين الفلسطينيين. مع نهاية عام 2012، بلغ عدد المسجلين لدى الأونروا ما مجموعه 5,27 مليون شخص. إن هذا الرقم من المتوقع أن يرتفع ليصبح 5,75 مليون في عام 2016 وليصبح 6,46 في عام 2021. إن عدد أولئك المسجلين لدينا على أنهم "فقراء" رسميا سيرتفع إلى 1,7 مليون شخص في عام 2021.

ومع مرور كل يوم، فإنه يصبح من الضروري بشكل متزايد الاستماع لأصوات المحرومين وللإصغاء لتحذيراتهم الدائمة بخصوص فقدان مقدراته والخوف الذي يعيشون. وبعد مرور 66 عاما، ومع وجود العديد من الأزمات الأخرى التي تؤثر في منطقة الشرق الأوسط والعالم، فإن هنالك خطرا حقيقيا بأن يتم التعتيم على مصيرهم وأن يتم النظر إليه باعتباره "قصة قديمة". وأزعم هنا بأن إهمال محنة لاجئي فلسطين يعد مخاطرة لا يستطيع العالم أن يتحملها.

ومن مخيم اليرموك مرورا بمخيمات اللاجئين الفلسطينيين الكئيبة في لبنان التي تضخمت أعداد قاطنيها مع وصول أكثر من 50,000 قادم جديد من سورية، وصولا إلى مجتمعات اللاجئين المحاصرة خلف الجدار العازل في الضفة الغربية وأولئك الذين يعيشون في دوامة تتراجع فيها طل المؤشرات  في غزة، فإن انعدام الاستدامة وبقاء الوضع على ما هو عليه يطارد تقريبا كافة جوانب الحياة. لم يسبق لي أن قابلت لاجئا يريد أن يكون لاجئا أو يرغب بأن يبقى لاجئا. إن لاجئي فلسطين ليسوا مختلفين. إن ندائهم من أجل حل عادل ودائم لمحنتهم لا يمكن إنكاره ويجب على الجميع أن يسمعه.

وإلى أن يتم تحقيق ذلك فإن للأونروا دور تحويلي لتلعبه. خلال أوقات السلام النسبي، فإن عملنا في مجال التنمية البشرية في حقول التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية يعمل على تعزيز احترام الحقوق والالتزام بتطبيقها. وفي أوقات الحرب، فإن مساعداتنا الطارئة والجهود التي نبذلها من أجل تعزيز الصمود تعمل على التخفيف من الحرمان من الحقوق لدى البعض، حتى وإن كان ذلك بمستويات  غير كافية.

وفي الوقت الذي تدخل اأونروا فيه عقدها السابع، فإن إنجازاتها تتحدث عن نفسها: لقد قمنا بتحقيق بعض من أعلى مستويات مكافحة الأمية في الشرق الأوسط إلى جانب تحقيق تخفيضات دراماتيكية في معدلات وفيات الطفولة والأمومة. إن التزامنا ينافس التزام أي من التزامات اللاعبين على المستوى الإنساني، وذلك بعملنا تحت نيران القصف من أجل تقديم عمليات الإغاثة الطارئة في سورية ولبنان وغزة. إن هذا سيستمر إلى أن يتم التوصل لحل لمحنة لاجئي فلسطين. ولقد رسخت في ذهني ومنذ اليوم الأول لاستلام مهامي نقطة مركزية واحدة وهي أن:   ولاية الأونروا ليست للبيع.

إنني أؤمن ايمانا عميقا  بأن مساهمات الأونروا مرتبطة بشكل وثيق بمساهمات أولئك اللاجئين الذين يشكلون الغالبية العظمى من موظفينا. ومثل باقي اللاجئين، فإن الفلسطينيين أيضا لديهم إنجازاتهم ولديهم ما يفخرون به. إنهم ضحايا لظلم تاريخي واحتلال وحصار ونزاع. كما أنهم أيضا جهات فاعلة في تنميتهم من خلال المهارات التي يحسدهم عليها الكثيرون في هذا العالم. ويحق للفلسطينيين أن يكونوا فخورين بمعدلات محو الأمية عند أطفالهم وبأعلى مستويات التحصيل العلمي التي حققتها أجيال من المهنيين.

إن جهود الأونروا ستركز على حشد جهود الجهات المضيفة والمانحة على حد سواء للمحافظة على منجزاتنا وتعزيزها أكثر، وذلك في الوقت الذي نستمر فيه بإثارة أهمية تزايد الاعتراف بأن تلك المساعدة الدولية ينبغي أن تأتي مع تعزيز الحقوق والكرامة. دعونا لا ننسى أن هذه هي أزمة ذات وجه إنساني، سواء أكان ذلك يتمثل في الأطفال الذين يعانون من صدمة القصف في اليرموك أم يتمثل في رجل الأعمال السابق في غزة الذي كان واقفا في طابور الأونروا لتوزيع المعونة الغذائية أم في أي واحد من الملايين الخمسة من اللاجئين المسجلين لدينا. وليس هنالك أي مساعدة مهما بلغت قيمتها يمكنها أن تعوضهم عن حرمانهم من الكرامة والحقوق.

كافية لتزويد أربعة مواقد لأربعة أسر