ملاحظات المفوض العام للأونروا فيليبو غراندي في المؤتمر المنعقد حول التعاون بين بلدان شرق آسيا من أجل التنمية الفلسطينية

15 فبراير 2013

 14 شباط 2013
طوكيو

معالي نائب الوزير سوزوكي، سعادة السفير ليمورا، السيدة أوجاتا وأصحاب الضيافة اليابانيون، دولة رئيس الوزراء سلام فياض، معالي وزير الخارجية المالكي، أصدقائي الفلسطينيين، أصحاب المعالي والسعادة، السيدات والسادة،

أود أن أنضم للمتحدثين الآخرين في تقديم الشكر للحكومة اليابانية ولدولة فلسطين على تنظيم هذا المؤتمر الهام. لطالما كانت اليابان شريكا للفلسطينيين وللأونروا، مثلما لعبت دورا مدروسا في المنطقة من خلال دعم التنمية المستدامة والنمو الاقتصادي. وينبغي علينا الآن أن نشيد باليابان لقيامها بتعزيز التفاهم والتبادل المشترك بين الشرق وبين الشرق الأوسط.

كما أود أيضا أن أشكر المنظمين على قيامهم بدعوة الأونروا، وهي المنظمة التابعة للأمم المتحدة والأكثر قربا وارتباطا بالفلسطينيين. إن الأونروا، من بين منظمات الأمم المتحدة، لديها مهمة منفردة، ألا وهي أن تعمل على إعالة لاجئي فلسطين – ما يقارب من خمسة ملايين لاجئ مسجلون حاليا لدى وكالتنا- إلى أن يتم التوصل إلى حل سياسي لمحنتهم، ولديها أيضا طريقة عمل فريدة، حيث أنها تعمل مباشرة مع اللاجئين ومجتمعاتهم في مختلف أرجاء المنطقة: ومع وجود 30,000 موظف يعملون لدينا، فإننا أيضا ثاني أكبر صاحب عمل في فلسطين بعد الحكومة الفلسطينية، علاوة على أننا صاحب عمل رئيسي في كافة البلدان التي نعمل بها.

إن منظمة التحرير الفلسطينية هي التي تمثل الفلسطينيين كافة. إن ولاية الأونروا تقتضي تقديم المساعدة والدعم للاجئين. ونحن نتعاون بطبيعة الحال مع مؤسسات الدولة الفلسطينية، إلا أن دورنا – من ناحيتهم – منفصل ومكمل في آن معا، وهو مختلف بشكل واضح عن دور الحكومات في البلدان التي تستضيف اللاجئين. والأونروا تعد مكونا رئيسا في نظام مؤقت تم تأسيسه بعد أن قام لاجئو فلسطين بالفرار من منازلهم في عام 1948، حيث تعهد المجتمع الدولي بمساعدتهم من خلال منظمات مخصصة تابعة للأمم المتحدة إلى أن يتم التوصل لحل عادل ودائم لمحنتهم. ومع بقاء السلام مراوغا، فإن هذا التعهد لا يزال ضروريا حتى يومنا هذا. ولا تزال العديد من البلدان العربية تستضيف لاجئي فلسطين الذين هم أيضا لا يزالون يعتمدون وبشكل كبير على الأونروا في التعليم والصحة والخدمات الاجتماعية الأساسية، إضافة إلى الحصول على المساعدات الإنسانية في حالات النزاعات.

ويتمثل جوهر ولاية الأونروا في تعزيز واستدامة التنمية البشرية للاجئين. ونحن نقوم بفعل ذلك، بشكل حاسم، بفضل شبكة إقليمية من المدارس والعيادات. ومن خلال هذه البرامج، وغيرها، والتداخلات المكرسة، بما في ذلك مؤسسة التمويل الصغير الناجحة، فإننا نهدف أيضا إلى الحد من الفقر. ولكي تتمكنوا من تقدير تفرد التحدي الذي تضطلع به الأونروا، فإن عليكم أن تعرفوا على سبيل المثال بأن 500,000 طفل يذهبون يوميا إلى مدارسنا التي يبلغ عددها 700 مدرسة. إن هذه مسؤولية كبيرة، وليست بالأمر الهين لمنظمة دولية تعتمد على التمويل الطوعي.

إنكم ستسمعون نقادا يجادلون بأن هذا الإطار يساعد في إطالة أمد مسألة لاجئي فلسطين. ولكن الحقيقة مختلفة: ففي الوقت الذي لا تزال فيه تلك المسألة تفتقر إلى الحل على الصعيد السياسي، فإن المجتمع الدولي، من خلال الأونروا، يمكن أن يوفر الفرص للاجئي فلسطين حتى لو أن نفيهم لا يزال مستمرا. إنهم لا يزالون لاجئين، وهم لذلك لا يزالون يحافظون على الحقوق التي يعترف بها القانون الدولي، ولكن حياتهم تتحسن من خلال الخدمات التي نقدمها. ومع ذلك، فإنه لمما يؤسف له أن جهود تعزيز تنميتهم البشرية لا تزال تتعرض للإعاقة عبر العقود من خلال النزاعات المتكررة.

وفي اللحظة التي نتحدث فيها الآن، فإن أكثر من 520,000 فلسطيني في سورية يواجهون رعب الحرب الكامل ويتشاركون المحنة الفظيعة لكافة المدنيين. ونحن نقدر أن ما قد يصل إلى نصف لاجئي فلسطين قد يكونون قد تشردوا من منازلهم. والبعض منهم يحاولون الفرار من البلاد إلى البلدان المجاورة، إلا أنه وفيما يتعلق بالفلسطينيين – والذين لطالما تم اعتبارهم في المنطقة جماعة حساسة سياسيا – فإن خيارات الفرار تبقى محدودة، ولذلك فإن العديد منهم محصورون داخل سورية التي تمزقها الحرب. وقد استقبلت لبنان بكرم بالغ ما مجموعه 20,000 لاجئ فلسطيني من سورية – إضافة إلى 274,000 سوري – إلا أن تعقيداتها السياسية تعزز من الأرضية المهزوزة، إضافة إلى أن البلاد تستضيف بالفعل مئات الآلاف من الفلسطينيين الذين يحافظون على وجود صعب لهم في مخيمات بائسة.

ومثلما قام رئيس الوزراء فياض بتذكيرنا، فإن الحرب الوحشية في سورية ينبغي أن لا تجعلنا ننسى أنه وبالنسبة للاجئي فلسطين، وللفلسطينيين الآخرين، فإن العقبة الأشد قوة في سبيل التنمية لا تزال هي الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية. وفي الوقت الذي تبقى فيه عملية السلام راكدة، بالنسبة للفلسطينيين العاديين الذين من بينهم ما يقرب من مليوني لاجئ في غزة والضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، فإنه ليس هناك وضع راهن. إن الفلسطينيين يتعرضون بشكل بطيء وأكيد للاغتراب عن أرضهم وأصولهم بسبب القبضة المتشددة لسياسات الاحتلال. وإنني أتحدث عن الحصار في غزة – حيث أن ثلثي عدد السكان هناك هم من اللاجئين وحيث يعد دور الأونروا هناك مهما على وجه الخصوص – مثلما أتحدث عن تقسيم الضفة الغربية إلى كانتونات والتوسع المتواصل وغير القانوني للمستوطنات واغتصاب الموارد المالية وتغريب الفلسطينيين عن القدس الشرقية والتدهور البطيء في النسيج الاقتصادي والاجتماعي للحياة الفلسطينية. وعلى الرغم من ذلك، وبالموازاة مع العمل الذي تم من قبل دولة فلسطين لتقوية الهيكليات المؤسسية وبنناء اقتصاد قابل للحياة، فإن الأونروا تسعى جاهدة لتحقيق قدر من التنمية البشرية للسكان اللاجئين في خضم احتلال مبني بعناية ومتوسع بشكل دائم.

إن هذا يقودني إلى نقطة هامة. أن نقوم بدعم حكومة فلسطين ومؤسساتها وعملها لهو بطبيعة الحال أولوية مطلقة. ومع ذلك، فإنني أود أيضا أن أناشدكم اليوم بعدم تجاهل احتياجات خمسة ملايين لاجئ فلسطيني.

تعتمد الأونروا بشكل كامل على تمويل المانحين الاعتياديين. ويمكنني أن أؤكد لكم أن ممارسة عملية حشد التمويل المستمرة تعمل على بقاءنا هزيلين وكفؤ ين في نفس الوقت. وعلى أية حال، فإننا أصبحنا مؤخرا هزيلين أكثر من ذي قبل. وفي مواجهة الاحتياجات المتزايدة، فإن العجز التمويلي لدينا أصبح الآن مزمنا، وخصوصا فيما يتعلق ببرامجنا الأساسية التي تتيح لنا تشغيل وإدارة المدارس والعيادات والأنشطة التي تدعم الأشخاص الأشد عرضة للمخاطر. إننا نعاني من عجز مقداره 68 مليون دولار من أصل 660 مليون دولار مطلوبة من أجل برامجنا الأساسية لعام 2013، علاوة على أن بعضا من أنشطتنا الخاصة وأنشطتنا الطارئة مهددة هي الأخرى بسبب نقص التمويل: ففي لبنان، على سبيل المثال، مثلما هو الحال أيضا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، فإن استجابات المانحين لعملية المناشدة الموحدة للأمم المتحدة التي نعد نحن أنفسنا جزءا كبيرا فيها قد أخذت بالتضاؤل في السنوات الماضية.

إن ما يزيد عن 90% من موارد الأونروا الأساسية يتم التبرع بها من قبل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه واليابان وأستراليا. والمانحون العرب، بالرغم من أنهم داعم كبير للمشروعات الخاصة، وخصوصا في غزة (بما في ذلك من خلال البنك الإسلامي للتنمية)، قدموا في العام الماضي أكثر من 4% بقليل من موارد الأونروا الرئيسة – وهو تحسن عن الأعوام السابقة، إلا أنه لا يزال يشكل نسبة ضئيلة، وذلك على الرغم من التشجيع القوي من قبل جامعة الدول العربية، والشخصي من قبل أمينها العام. إنكم لذلك ستقدرون أن الأونروا تعتمد على قاعدة ضيقة للغاية من المانحين، وأن القيود المالية لدى الكثير من الدول المانحة التقليدية تعني بأن حشد موارد المساعدات – وخصوصا في حالة اللاجئين الفلسطينيين التي طال أمدها – قد أصبحت عملية أكثر صعوبة. ولذلك فقد تحولت الأونروا صوب البلدان ذات الاقتصاديات الناشئة للحصول على المزيد من الدعم: إن نقاشاتنا مع البرازيل وتركيا وروسيا واعدة، وحصلنا بالفعل على تبرعات هامة خلال العامين المنصرمين. إلا أنه لا يزال ينبغي عمل المزيد أذا ما أريد للأونروا أن تبقى قابلة للحياة ماليا.

إنني أناشد بلدان شرق آسيا أن تنحو المنحى الذي ذهبت إليه ماليزيا مؤخرا وأن تقابل دعمها السياسي التقليدي للأونروا في الجمعية العامة وفي المحافل الدولية الأخرى بزيادة الدعم المالي لعمل الأونروا الأساسي ومشروعاتها. كما أن بلدان شرق آسيا لديها أيضا ثروة من الخبرات والتجارب التي يمكن تطبيقها بنجاح كبير في هذا السياق. إن هناك العديد من السبل للتعاون من أجل تنمية كامل القدرات الكامنة للاجئين الشباب، بدءا من التدريب الفني وحتى البعثات الدراسية، ومن الرعاية الصحية وحتى تشجيع روح المبادرة. كما أن هناك أيضا قدرات كامنة غير مستكشفة في مجالات تعاون القطاع الخاص، وخصوصا في قطاع التكنولوجيا.

السيدات والسادة،

إن الأونروا ليست منظمة سياسية. ومع ذلك، ففي نهاية المطاف فإن لها إطار عمل سياسي يعمل على دعم التنمية، وإن ضمان حفظ ودعم الحقوق الفلسطينية، وليس تآكلها وتجاهلها، هي المسؤولية العالمية للمجتمع الدولي. إن ذلك، من جملة أمور أخرى، ينبغي أن يجلب خلال عادلا وقابلا للحياة لمسألة اللاجئين ويجلب معه أيضا نهاية لمهمة الأونروا. وأود أن أشدد وبقوة على أن لاجئي فلسطين، الذين يعد وضعهم المهمش مسؤولية المنطقة والعالم أجمع، يجب أن يكونوا أيضا جزءا لا يتجزأ من عملية السلام. إن آرائهم ينبغي أن يتم سماعها وأن تلقى آذانا صاغية، حيث أن الحل لقضية اللاجئين يعد المفتاح لاستدامة حياة أية اتفاقية سلام.

وفي هذا المسار، فإنني آمل أن يتسنى للاجئين الفلسطينيين أن يظلوا على جدول أعمال آلية المتابعة التي من المؤمل أن يقررها هذا المؤتمر.

إن إمكانات الشعب الفلسطيني لا يمكن قياسها، وقد تعلمت أن أقدر هذا الأمر خلال سنوات عملي العديدة مع الأونروا. وإذا ما تم منحهم الحرية والفرصة، فإن إبداعهم وطموحهم سيكون بلا حدود، ولا يوازيه أي شيء آخر سوى صمودهم في الشدائد. واسمحوا لي أن أذكر على سبيل المثال خالد، وهو لاجئ مولود في لبنان، الذي يكمل أبحاثه حاليا لدى وكالة أبحاث الفضاء الأمريكية ناسا، أو الفتيات اللاجئات الثلاث من نابلس في الضفة الغربية واللواتي فزن بجائزة عالمية لقيامهن بتطوير عصا الكترونية للمكفوفين. إن هذه الأمثلة تذكرني كثيرا بصفات التميز والابتكار والتصميم التي نعرفها لدى شعوب شرق آسيا.

كما أن هذه الأمثلة تبين لنا أيضا أن ثمار السلام المحتملة ضخمة. إن الاستثمار في فلسطين والفلسطينيين، واستلام زمام المسؤولية للسعي وراء التوصل لحل سياسي هما وجهان لعملة واحدة. إن كلاهما عاجل لا يحتمل التأخير، وكلاهما يجب أن تتم مشاركته من قبل الجميع.

شكرا لكم

تبرع

كافية لتزويد أربعة مواقد لأربعة أسر