“ بناء شراكات فاعلة ومستدامة في أنشطة التنمية والمساعدة الإنسانية” الملاحظات الختامية للمفوض العام للأونروا فيليبو غراندي في مؤتمر ديهاد العاشر

27 آذار 2013

دبي
27 آذار 2013

السيدات والساده :

إنه لمن دواعي الشرف لي أن ألقي الكلمة الختامية لمؤتمر ديهاد في ذاكره السنوية العاشرة – ومع حضوري إلى هنا للمرة الرابعة على التوالي، فإنه يمكنني أن أدعي بأنني أحد أصدقاء هذه المبادرة، وعليه فإنني أود أن أتقدم بالتهنئة لمنظميه وللمشاركين فيه على حد سواء. إن الشكر والتقدير موصولان أولا وقبل كل شيء لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم الذي ألهم وأسس هذا الحدث الهام وعمل على تشجيع العمل الخيري والإنساني في جميع أرجاء العالم. وأود أن أتقدم بالشكر أيضا للمنظمين وهم جمعية الهلال الأحمر الإماراتي والمدينة الإنسانية الدولية وجمعية دبي العطاء ومنظمة التعاون الإسلامي. وأخيرا وليس آخرا، اسمحوا لي أن أ‘بر عن شكري وإعجابي بصاحبة السمو الملكي الأميرة هيا بنت الحسين لقيادتها وإلهامها المستمرين للمؤتمر.

إنني أتحدث نيابة عن منظمة يعد تطورها مثال على كل ما تم مناقشته في الأيام الثلاثة الماضية. إن الأونروا تغطي مجموعة الموضوعات التي تمت دراستها هنا. وهي تتمتع بخبرة تزيد عن ستة عقود في اكتشاف أهمية وقيمة الشراكات. ومثل العديدين منكم، قمنا بتحقيق العديد من الشراكات، إلا أننا ارتكبنا أيضا أخطاء وتعلمنا دروسا طيلة مسيرتنا. وقد مررنا بالعديد من التطورات التنظيمية من حيث ماهية المساعدة التي نقدمها وكيفية تقديمها؛ كما أننا خضنا عملية إصلاح واسعة جعلت منا أكثر رشاقة وفاعلية وتنافسية في عالم مستمر في زيادة الأسعار وندرة الموارد. كما أننا أصبحنا أيضا أفضل في مجال التعاون والتعلم سويا مع منظمات الأمم المتحدة الأخرى، وخصوصا في حالات الطوارئ الإنسانية كما هو الحال في سورية وحواليها حيث يعد التعاون بين الوكالات أولوية لإنقاذ الحياة. وفي الوقت الذي كانت الأحداث الكارثية، والتي تترافق مع الضغوط المالية، مفعمة بالتحديات إلا أنها كانت مفيدة في جعل منظمة كمنظمتنا هذه – والعديد من المنظمات الأخرى الموجودة هنا – تجول في كل مكان بحثا عن الأصدقاء وعن تقاسم الأعباء وعن استخلاص الدروس المستفادة.

وفي حين أن الجهات المانحة لنا قد لعبت دوما دورا حاسما، إلا أن ممارسة إشراك الأطراف الأخرى بشكل وثيق في عملنا كشركاء قد أدت إلى إحداث تطور جديد أكبر في الأونروا. إن الدول في بعض الأحيان تمر بما يسمى مرحلة "الانفتاح الاقتصادي". وقد مرت الأونروا بمرحلة انفتاح تنظيمي يتمركز بشكل كبير حول الشراكات التي لم تفلح فحسب في جلب خبرات وحراكيات أوسع لنا، بل وعملت أيضا على تعزيز مصداقية عملنا وفهمه في الوقت الذي عملت فيه على المحافظة على، بل وتعزيز، مهام ولايتنا الممنوح لنا من قبل المجتمع الدولي من خلال الجمعية العامة للأمم المتحدة. إن هذا بدوره قد عمل على تحسين قدرتنا بشكل كبير على خدمة لاجئي فلسطين الذين يبلغ عددهم الآن خمسة ملايين لاجئ في الشرق الأوسط.

ومن خلال العمل بتعاون وثيق مع الحكومات والشركات ومؤسسات الأعمال واللجان الوطنية، فإننا نستمد الدعم والمهارات من جانب عدد كبير من اللاعبين الذين تعمل اهتماماتهم على إكمال اهتماماتنا بطريقة ما. وقد قيل الكثير حول هذه التحالفات في الأيام القليلة الماضية، ولذلك فإنني لن أتطرق كثيرا لهذا الموضوع؛ ولكنني أود أن أؤكد على نقاط ثلاث هي:

أولا، اسمحوا لي أن أستخدم مثال الأونرواللإشارة إلى شراكة أصبحت بشكل متزايد حاسمة في العالم الإنساني المعقد الذي نعيشه اليوم: ألا وهي الشراكة مع المجتمعات التي نقوم على خدمتها. إن الأونروا تجد نفسها في مكان جيد للحديث عن هذه الشراكة؛ فطريقة عملها الفريدة في تقديم برامجها مباشرة من خلال المعلمين والموظفين الطبيين والعاملين الاجتماعيين تحقق وبوضوح متزايد أهمية الشراكة، وتعقيدها في الوقت ذاتها، مع مجتمعات اللاجئين الفلسطينيين الذين نقوم على خدمتهم في الشرق الأدنى. إن التفاعلات الأخيرة مع الشباب في أعقاب مؤتمر عقد في بروكسل في العام الماضي قد سلطت الضوء على أهمية الحوار مع اللاجئين، وخصوصا الشباب منهم، الذين (على سبيل المثال) يتمنون أن يكون لهم رأي أكبر في الكيفية التي نقوم بها بتصميم برامج التعليم والصحة والإغاثة لصالحهم. وبطبيعة الحال، فقد تفاعلت الأونروا مع اللاجئين الفلسطينيين منذ بدايتها قبل 63 عاما. ومع ذلك، فإن الاعتقاد بأن اللاعبين السياسيين غير قادرين على إيجاد حل للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وبالتالي إلى حل لمسألة اللاجئين الفلسطينيين – وهو نفس نوع الفشل الذي نشاهد حدوثه في سياق مختلف في سورية – والتطور المذهل لوسائل الاتصال المستندة إلى التكنولوجيا ولوسائل الإعلام الاجتماعي قد منحوا بعدا كاملا جديدا لعلاقتنا مع اللاجئين في السنوات الأخيرة؛ وأيضا، باعتقادي، لعلاقة كافة المنظمات مع المجتمعات التي تقوم على خدمتها.

وفي حالتنا، فإن الشراكة مع اللاجئين ليست تحديا سهلا – وقد أصبحت أكثر نعقيدا بالبيئة المسيسة العالية التي نعمل في أجوائها: مع من سنتفاعل؟ كيف نضمن أن أولئك الذين نناقش معهم هذه القضايا هم ممثلون للملايين الخمسة من اللاجئين الفلسطينيين المسجلين؟ كيف يمكن أن نوفق بين برامج العمل التي تكون في بعض الأحيان في تناقض حاد، ومع ذلك نضمن استمرار تقديم البرامج بدون انقطاع وبالكيفية الأكثر فاعلية؟ إن هذه أسئلة صعبة، ولكنها محفزة أيضا، ستشكل وبشكل متزايد تحديا لكافة المنظمات التي تعمل مع المجتمعات المتضررة أو التي تشردت جراء النزاعات القديمة والجديدة في عالم يشغل فيه المجتمع المدني، وخصوصا فئة الشباب فيه، الفراغ الذي تركه فشل السياسة والدبلوماسية بطرق جديدة وقوية يقومون من خلالها بالتواصل والتفاعل والتعبير عن إحباطاتهم وآمالهم.

والنقطة الثانية تشير إلى الشراكات في هذه المنطقة، منطقة الخليج. واسمحوا لي مرة أخرى أن استخدم الأونروا كنقطة مراقبة وأن أؤكد صراحة على أننا قمنا بإحراز تقدم كبير في تنمية تحالفات هامة مع هذا الجزء من العالم. وإنني آمل أن النجاحات التي شهدناها (والدروس التي تعلمناها في العملية) يمكن أن تكون مفيدة للاعبين الإنسانيين الآخرين أيضا. وأود أن أشير تحديدا إلى العمل الذي قمنا به مع ثلاث منظمات هي: الصندوق السعودي للتنمية والبنك الغسلامي للتنمية وجمعية الهلال الأحمر الإماراتي. قد يكون من الإفراط استخدام كلمة "استراتيجي"، إلا أن حلفنا مع هذه المنظمات قد انتقل من علاقة تقليدية بالمانحين إلى شراكة استراتيجية بمستويات مختلفة: فهم شركاء يمكننا أن نطلب منهم الاستجابة في لحظة الحاجة الحقيقية، كما هو الحال في حالات الطوارئ المتكررة؛ وفي نفس الوقت فإننا نقوم وبشكل متزايد بالتخطيط سويا، وبطريقة استراتيجية للغاية، للمدى البعيد، وخصوصا فيما يتصل بدعم اللاجئين الفلسطينيين الذين يعيشون في الأراضي المحتلة في ظل العقبات المتزايدة دوما والتي يخلقها الاحتلال الإسرائيلي، وخصوصا فيما يتعلق بالتوسع في المستوطنات غير الشرعية؛ وفي تعزيز المهمة الأساسية لإعادة التأهيل وإعادة الإعمار، وخصوصا في غزة القابعة تحت الحصار.

إلا أن الحلفاء الاستراتيجيين للأونروا في المنطقة ليسو محصورين بالقطاع الحكومي. إن لدينا شركاء راسخين وطويلي الأمد في شكل منظمات غير حكومية مثل مؤسسة خليفة بن زايد وحملة خادم الحرمين الشريفين لإغاثة الشعب الفلسطيني . ومثلما هو الحال في أجزاء أخرى من العالم، ولكن مع خصوصية الارتباط بالتزام الأهداف الألفية تجاه الفقراء والمعرضين للمخاطر والذي يعد جزءا من عقيدة الإسلام، ففي منطقة الخليج فإن أحد الجوانب المتزايدة لتقديم المساعدة هو أنه يتم تقديمها أكثر فأكثر من خلال القطاع غير الحكومي وليس من خلال الحكومات. ومن ضمن هذا القطاع، فإن المزيد يتم التبرع به من الشركات والأفراد.

إن نجاحنا في أن نصبح شركاء مع المنظمات في منطقة الخليج قد تحقق من خلال الحوار المكثف وغرس الاحترام المتبادل والاعتراف بالأدوار والاهتمامات لكل طرف. لقد استنزف هذا العمل الوقت والصبر والجهود من كافة الأطراف، وهو لا يزال يتطور، وأعتقد بأن هناك فهم متزايد من جانب المنظمات الخليجية بأهمية المعونة متعددة الأطراف – وبضمان أنها يمكن أن تمنح بنزاهة وبفعالية. إن هذا أمر بالغ الأهمية أكثر وأكثر، فيما نحن نعمل سويا، في الحالات التي تشتمل على تحديات سياسية وأمنية معقدة، كما هو الحال مثلا في سورية. إن تبني شراكات دولية من قبل اللاعبين في منطقة الخليج ينبغي بناء عليه أن يتم تشجيعه والترويج له أكثر فأكثر، ومن قبل القادة السياسيين أيضا. ومن ناحيتنا، باعتبارنا منظمة ولية قديمة، فقد قمنا ببذل الجهود في سبيل تقدير ديناميكيات محددة للغاية للمساعدة في هذه المنطقة، والتي تتبع نهجا مختلفا، في بعض الأحيان، عن ذلك المتبع مع الوكالات التقليدية الغربية ولكنها بشكل رئيسي ومتساوي مرتكزة على التخفيف من معاناة الأفراد والمجتمعات التي تعيش في ظل محنة، مع تركيز قوي على التبرعات العينية.

إن الاختلافات في مفهوم وإيصال المساعدات ستستمر. وإنني في حقيقة الأمر أؤمن بأن ذلك صحي ومحفز. ولدى قول ذلك، فإن الشراكات بين الشرق والغرب، وأيضا بين الشمال والجنوب، إن سمحتم لي باستخدام هذه المصطلحات، تعد أمرا لا غنى عنه بالنسبة لمستقبل المعونة. إن التحديات لا تزال مستمرة بالنمو، والمانحون الغربيون لا يستطيعون لوحدهم تحمل كلفة المعونة لأكثر من ذلك. إن ندرة الموارد والانكماش الاقتصادي العالمي والنزاعات والتشريد والكوارث الطبيعية وحتى الأحوال الجوية بشكل متزايد تعمل على خلق الحاجة للمزيد من العمل الإنساني والمزيد من اللاعبين في المجال الإنساني. لقد تعلمنا من شركاءنا في هذه المنطقة بأننا نكون أكثر فاعلية عندما نتحدث مباشرة عن القضايا الرئيسة التي تخلق المعاناة والفقر والتشريد. وإننا فخورون بأن التزامنا تجاه اللاجئين الفلسطينيين – وعملنا الملموس جدا في سبيل دعمهم – الذين لا يزال منفاهم بلا حل وبلا معالجة يحظى وبشكل متزايد بالاعتراف في هذه المنطقة باعتباره جديرا بالدعم، وآمل أنه سيظل الأساس للعديد من الشراكات الممتازة ونموذجا للآخرين ليقتدوا به.

والنقطة الثالثة التي أود طرجها تتعلق بالأزمة السورية والتي تعد – كما هو الحال بالنسبة للعديدين منكم – التحدي الأكثر إلحاحا اليوم، في الوقت الذي نسعى فيه جاهدين لمساعدة نصف مليون لاجئ فلسطيني تقطعت بهم الأسباب في خضم عنف قاتل ورهيب. وحري عن القول أن الحاجة الأكثر إلحاحا هي أن تقوم أطراف النزاع واللاعبين السياسيين الدوليين بالاتفاق على الوقف الفوري لإطلاق النار وتهيئة الظروف لإيجاد حل سياسي. إن الملايين في سورية يعانون بطرق لا يمكننا تخيلها، بمواجهة الاحتياجات الرئيسة وقبضة الخوف – ونحن نرى هذا يوميا في عملنا مع اللاجئين الفلسطينيين الذين أصبحوا مشردين ولاجئين للمرة الثانية. إن الملايين في سورية يشاهدون، بدون أن يفهموا، عدم استطاعة المجتمع الدولي على التوصل لاتفاق نهائي لكيفية وقف القتال. وما لم يتم التوصل لهذا – والمرء يأسف لقول ذلك – فإنه سيتحتم علينا قريبا أن نوزع نفس المسؤوليات الجسيمة التي طاردتنا بعد حالات أخرى من الفشل المشابه والكارثي، كما حدث في البوسنة أو في رواندا. وفي الوقت نفسه، وكما تم مناقشته مطولا في الأيام القليلة الماضية، فإن أثر الحرب السورية على حياة الناس قد أصبح كبيرا جدا وكارثيا، بحيث أن المنظمات الإنسانية قد أصبحت بالفعل غير قادرة على التكيف لوحدها مع تحديات التشريد والمخاطر الصحية والفقر والدمار. إن الأزمو السورية تنتمي لتلك الفئة من حالات الطوارئ الحادة التي تتطلب نهجا ضيقا للغاية ومجتمعا لكافة الأطراف المتاحة – المتعددة الأطراف والحكومية وغير الحكومية والمجتمعية – لكي تنجح المساعي الإنسانية. إن هنالك بالفعل حاجة لموارد ضخمة، وإنني أنضم لأولئك الزملاء الذين تحدثوا في هذا المؤتمر وتقدموا بمناشدة المانحين  - في ظل الغياب المأساوي والمستمر للحل السياسي – بمضاعفة الجهود على الأقل لإنقاذ الأبرياء الذين تضرروا جراء الحرب.

إن ندائي موجه على وده الخصوص للشركاء في منطقة الخليج. فقبل شهرين، قدم مؤتمر الكويت للعالم مثالا عن الشراكة في العمل، مع الحكومات والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية بالالتزام بمساعدة ضحايا الحرب السورية. وينبغي علينا مرة أخرى أن نشيد بصاحب السمو أمير الكويت على مبادرته الاستثنائية. وإنه لذلك من الأكثر أهمية أن تتحقق تلك التعهدات التي قدمت في الكويت بحضور أمين عام منظمة الأمم المتحدة في أسرع وقت ممكن، ومن خلال القنوات المتفق عليها، لدعم الجهود الإنسانية التي تعاني من قلة في الموارد بشكل ماس.

وفي الختام، فإن الشراكات تعد أمرا لا غنى عنه للإغاثة ولدعم التنمية. إن العديدين منا لديهم ولايات محددة للغاية أو عمل أساسي ليقوموا به. إن الشراكات ينبغي أن تحترم، وستحترم، بل وفي الواقع أن تعزز هذه الولايات. إن الشراكات على أرض الواقع تعمل على إنقاذ الأرواح وتوفير الموارد ومضاعفة الفوائد. والشراكات في مجالات كسب التأييد تسلط الضوء وتضع المسؤولية في محل الاستخدام الجيد. إن تلك الأيام الثلاثة مجتمعة قد كانت بمثابة اعتراف بالتزامنا المشترك. إن العقبات هائلة، وينبغي علينا أن نضمن أن عملنا سويا ليس فعالا فقط في تلبية الاحتياجات، بل وأيضا يضع في اعتباره السياق الأوسع ويدرك المسؤولية لحل المشاكل التي تخلق المعاناة الإنسانية.

شكرا لكم.

Gaza Emergency Donate Message 4
1080 دولار تطعم عائلة كاملة في غزة لمدة شهر