اليرموك: مخيم للاجئين يكشف قبح العالم

11 شباط 2014
Yarmouk, the refugee camp that shames the worldYarmouk, the refugee camp that shames the world

يعيش عشرات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين المحاصرين في أحد مخيمات سوريا ظروفاً مروعة بسبب الحرب لدرجة ينبغي أن تبعث القلق لدينا جميعاً. ويؤكد سامي مشعشع، المتحدث باسم جهود الإغاثة للأمم المتحدة، على أنه لا بد من رفع وتيرة المساعدات الإنسانية.


اليرموك – كلمة جديدة أضيفت إلى معجم مصطلحات وحشية الإنسان تجاه أخيه الإنسان. فهذا المخيم الواقع على أطراف مدينة دمشق كان يشكل القلب النابض لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين في سوريا، وكان يقيم فيه 160,000 فلسطيني في وئام مع سوريين من جميع مشارب الحياة. إلا أن المخيم تحول، خلال الأشهر الستة الماضية، إلى نموذج لانتشار سوء التغذية بين الأطفال الرضع، ووفاة الأمهات أثناء الولادة بسبب نقص الرعاية الطبية، وبحث السكان المحاصرين عن أي شيء يؤكل، حتى لو كان ما تعلف به الحيوانات. وهذا جميعه يحدث في عاصمة دولة عضو في الأمم المتحدة في القرن 21. إن مخيم اليرموك يلخص معاناة المدنيين المأساوية والعميقة في الصراع الدائر في سوريا. وما كان ينبغي لذلك أن يكون.

إن هناك وجهاً بشرياً لهذه المأساة. الطفل خالد في شهره الرابع عشر هو من أطفال الحرب بحق، فقد ولد في الوقت الذي بدأ فيه الصراع المرير في سوريا يغشى مخيم اليرموك: إذ دخلت مجموعات المعارضة المسلحة المخيم وردّت القوات الحكومية على ذلك بفرض الحصار عليه. بقي خالد محصوراً داخل المخيم مع والديه وأربعة أشقاء وشقيقات، وشهدت حياته القصيرة من المعاناة ما قد لا يشهده أغلب بني البشر على مدار حياتهم.

يجسد خالد الصراع المأساوي في سوريا، ولكنه يمثل أيضاً الفرص التي علينا أن نغتنمها. ربما ما كان سيبقى خالد في عداد الأحياء لولا جهود د. إبراهيم محمد من وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين (الأونروا)، الذي عالجه من سوء التغذية الشديد المعروف باسم كواشركور، والناتج عن نقص مزمن في البروتينات. كما وتظهر على الطفل أعراض الكساح أيضاً.
يقول الطبيب: "عندما رأيت خالد أول مرة بدا وكأنه في عمر خمسة شهور. كان على وشك الموت. كان يعيش على الماء، محروماً من جميع الأغذية الصلبة تقريباً، لمدة شهرين".

والدة خالد، اسمها نور وعمرها 29 سنة. عندما سئلت عن الحياة في اليرموك بدا عليها الاضطراب وردت قائلة: "لا بد أن الجحيم أفضل حالاً. كنا نغلي التوابل مع الماء ونشربه. كنا نأكل الحشائش إلى أن لم يتبق شيء منها".
عندما وضعت نور وليدها خالد في البيت، تمكنت من إرضاعه من حليبها، ولكن حليبها توقف بعد شهرين بسبب سوء مدخولها الغذائي. وكان الحليب البقري المهرب إلى داخل المخيم باهظ الثمن للغاية، ولم يتوفر أي حليب مجفف. عاش خالد دون حليب، وكان محظوظاً على ما يبدو. إذ تقول نور أن ابنة شقيقها ماتت من الجوع في عمر أربعة شهور.

تقول نور: "كان الجميع يتوقعون أنهم سيموتون قريباً بسبب الجوع أو القصف. كان الموت يخيم على المكان. وقد ماتت إحدى جاراتي أثناء الولادة. إذ اضطرت القابلة التي تساعدها في الولادة لتركها والذهاب لمساعدة امرأة أخرى، وعندما عادت كانت جارتي قد نزفت حتى الموت".

هناك الكثيرون في اليرموك ممن حالهم كحال خالد والكثيرات ممن حالهن كحال نور. أصبح العاملون في الأونروا يلتقون بهؤلاء في كل صباح منذ 18 كانون الثاني/يناير، عندما سمحت السلطات السورية للأونروا بإدخال الغذاء إلى المخيم. فكل يوم، تجتمع حشود من الأجسام الهزيلة في انتظار فريق التوزيع على شارع راما في الطرف الشمالي للمخيم. وبعد أن يتم تفحص بطاقات هويتهم، يضطر بعضهم للمرور عبر المنطقة الحرام الفاصلة بين مواقع القناصة من الطرفين، لكي ينضموا إلى الطوابير المصطفة وصولاً إلى منطقة التوزيع.

تمر ساعات الانتظار تحت ضغط عصبي وإرهاق شديدين. وفي نهاية كل يوم، ما أن يحل الظلام ويعود فريق التوزيع التابع للأمم المتحدة إلى قواعده في دمشق، يرجع مئات من المدنيين إلى واقعهم المرير داخل المخيم، ولا تخفى على ملامحهم علامات القنوط والإنهاك والكرب، ويرجع العديدون منهم إلى بيوتهم دون أن يحملوا شيئاً. لقد نجحنا في أفضل الأيام، في 30 كانون الثاني/يناير، في توزيع أكثر من 1000 طرد غذائي، يحتوي كل منها على ما يكفي من المواد لإطعام أسرة لفترة تقارب الأسبوعين. وفي الأيام الأكثر صعوبة، نتدبر في توزيع ما قد يصل إلى 26 طرداً في الحد الأدنى أو 645 في الحد الأعلى. فالحرب لا تكنّ أي احترام للحاجة.

وكما هو الحال في جميع الأعمال الإنسانية في أوقات النزاعات، تكون العوائد ضئيلة والإحباطات متعددة والأخطار متربصة في كل مكان.
في 14 كانون الثاني/يناير، غادرت مخازن الأونروا الرئيسية في دمشق قافلة إغاثة مكونة من ست شاحنات تحمل الغذاء لصالح 6,000 شخص، جنباً إلى جنب مع 10,000 جرعة من لقاحات شلل الأطفال والمستلزمات الطبية الأخرى. كان يتوجب علينا استخدام المدخل الجنوبي لليرموك. وكان ذلك يعني أن على القافلة أن تسير مسافة 20 كيلومتراً عبر منطقة تشهد صراعات محتدمة، ويوجد فيها حضور قوي ونشط للعديد من مجموعات المعارضة المسلحة، بما في ذلك بعض أشد المنظمات الجهادية تطرفاً.

فالسلطات السورية، بذريعة الاعتبارات الأمنية، لم تسمح للأونروا أن تستخدم المدخل الشمالي لليرموك، والخاضع لسيطرة القوات الحكومية، والذي يعتبر على العموم أيسر وصولاً وأقل تعرضاً للخطر بشكل نسبي.

عندما اقتربت القافلة من اليرموك من جهة الجنوب، التحقت بها فرقة من القوات الحكومية لتوفر المرافقة الأمنية لها، مما أتاح للمركبات أن تصل إلى أخر نقطة تفتيش خاضعة لسيطرة الحكومة. أعطيت القافلة الإذن بأن تواصل سيرها ووفرت السلطات السورية جرافة لإبعاد الركام والسواتر الترابية والعوائق الأخرى عن الطريق. إلا أن الجرافة تعرضت لإطلاق نار أثناء قيامها بذلك واضطرت للانسحاب، وإن لم يصب أحد بأذى. وفي أعقاب ذلك، انطلقت زخات من النيران، بما في ذلك إطلاق نيران من أسلحة ثقيلة، على مقربة من مركبات الأونروا. وانفجرت قنبلة هاون بالقرب من القافلة. فاضطر فريقنا للانسحاب، قبل أن يتعرض أفراده للأذى.

لم يفت ذلك من عزيمتنا. وها نحن نواصل رسالتنا الإنسانية. فبعد نجاحنا في الوصول إلى اليرموك في 18 كانون الثاني/يناير، تمكنّا حتى الآن من إيصال أكثر من 6,000 طرد من المؤن الغذائية الأساسية وحوالي 10,000 جرعة من لقاح شلل الأطفال. إن هذا لا يكفي، ونحن بحاجة إلى المزيد. نحن بحاجة إلى وصول آمن وواسع النطاق ومستدام، بحيث يشمل الوصول إلى جميع المدنيين في سوريا. فهناك الكثير من الأماكن التي تعاني من أوضاع مشابهة لما يعانيه اليرموك.

ختاماً، أود أن أرجع للحديث عن خالد. فقد تبدلت حاله بحال خلال أربعة أسابيع بفضل الغذاء والدواء. واكتسى وجهه الآن بابتسامة بعد أن كان يفتقد علامات الحياة.، وزال التورم عن بطنه وأطرافه التي أصبحت تبدو سليمة معافاة، بفضل جهود د. محمد. يبلغ وزنه الآن ما يعادل وزن طفل في الشهر الثامن من العمر. وقد نما جسمه بشكل واضح من خلال الحصول على مساعدة متواضعة ورعاية طبية متواصلة. إن دائرة الصحة في الأونروا على ثقة بأنه سيواصل النمو ليبلغ قريباً الحجم والوزن المناسبين لطفل سليم ومعافى.

نحن نأمل أن تتخذ الطبيعة مجراها، وربما سيتمكن خالد، إن توفرت له بيئة مواتية ومستقرة، من أن يحقق طاقاته الإنسانية الكاملة. وهذا هو الهدف الذي نسعى من أجله بالنسبة له ولجميع المستفيدين من برامجنا في اليرموك وكل مكان آخر. يجب أن نرى في تعافي خالد السريع وتعافي والدته نور رمزاً للأمل ورمزاً لالتزامنا تجاه سكان اليرموك وتجاه جميع المدنيين في سوريا.

لقد كان اليرموك يمثل تحدياً لإنسانية كل فرد منا. إننا في الأونروا ننهض لنكون على قدر هذا التحدي. وعلى الجميع أن ينهضوا أيضاً على قدر هذا التحدي. فطالما بقي سكان اليرموك والمدنيون الآخرون في سوريا محرومين من كرامتهم، ستظل كرامتنا جميعاً منقوصة.
ربما ستكتسب كلمة اليرموك معنىً آخر في المحصلة. ربما بعد أن تضع الحرب أوزارها، سيصبح اليرموك مثالاً للتعاطف الإنساني... مثالاً يبين كيف تغلبت قوة الكرامة الإنسانية المحضة على قسوة الحرب ومرارتها.

لمزيد من المعلومات عن عمل الأونروا في اليرموك أو للتبرع، يرجى الاتصال على: s.mshasha@unrwa.org

 

 

قدم تبرعا
100$ تزود عائلة بالوقود لمدة شهر كامل