رحلة عبر الجحيم

10 شباط 2014
رحلة عبر الجحيم

دمشق

كان خالد* الذي يبلغ من العمر أربعة عشر شهرا على وشك أن يموت. لقد عاش هذا الرضيع أيام عمره كلها في ظل النزاع في سورية، إلا أن التهديد الأكبر، في نهاية المطاف، لم يكن الصراع بحد ذاته: فمع بقائهم محاصرين في مخيم اليرموك للاجئين بالقرب من دمشق والذي يتعرض للحصار، ومع ندرة وجود أي نوع من الطعام وانقطاع سبل المساعدات الخارجية، فإن الكل قد عانى، إلا أن خالد كان أصغر وأضعف بكثير من أن يتمكن من البقاء على قيد الحياة أكثر من ذلك من خلال العيش على الماء وحده مع ندرة أي نوع من أنواع الطعام.

"إن الجحيم أفضل"، تقول نور والدته التي تبلغ التاسغة والعشرين من العمر في معرض وصفها للوضع في اليرموك؛ حيث أنه طوال الشهرين الماضيين لم يكن يتوفر أي نوع من أنواع الطعام، الأمر الذي حدا بالعائلة إلى القيام بغلي البهارات في الماء وشربها وإلى أكل الأعشاب التي تنمو على الأرض. "والآن، لا شيء من كل هذا أصبح متوفرا – لقد قمنا بأكله جميعا"، تقول نور التي لم تعد تتمكن حتى من إرضاع ابنها من ثديها: فبعد بضعة شهور قليلة من ولادة ابنها، كانت نور نفسها تعاني من سوء شديد في التغذية أدى إلى توقف الحليب عندها. ولم يكن الحليب الجاف متوفرا، فيما كان ثمن الكيلوغرام الواحد من حليب البقر يصل إلى 20 دولارا. وقد أصيب خالد بنقص حاد في البروتين إلى جانب تورم شديد في أطرافه وانتفاخ في بطنه وتوقف النمو لديه.

كان الموت موجودا في كل مكان في اليرموك – "كان الجميع يفكر فيه، سواء بسبب الجوع أم بسبب القصف"، تشرح نور. لقد توفيت إحدى الجارات وهي تضع طفلها عندما تم استدعاء القابلة لحالة ولادة أخرى؛ فيما توفيت إبنه شقيقتها البالغة من العمر أربعة أشهر بسبب الجوع. "لقد قررت أنه يتوجب علي الخروج مع أطفالي. لم أكن خائفة: فإذا ما متنا فسنموت عندها سويا"، تقول نور.

كانت الطريقة الوحيدة لإنقاذ طفلها تتمثل في إخراجه من اليرموك. وقد اغتنمت نور الفرصة، حيث استطاعت برفقة أطفالها الخمسة من اجتياز نقطة تفتيش تلو الأخرى، بدءا من اليرموك وصولا إلى خارجه، إلى أن شعر أحد الجنود في نهاية المطاف بالشفقة على طفلها الذي يعاني من سوء التغذية وسمح لها بالخروج. وقام الجنود بإعطاءها خبزا وقاموا بشراء الطعام لها، إلا أنهم فوجئوا بأن الأطفال يأكلون الخبز فقط؛ فهو لم يكن متوفرا لهم لأشهر عدة.

وعلى الرغم من الجحيم الذي عاش خلاه، إلا أن خالد يعد واحدا من أولئك المحظوظين، حيث قامت نور بإحضاره إلى عيادة الأونروا خارج مخيم اليرموك عندما قام تيسير، وهو أحد أطباء الوكالة، بالإسراع في تقديم المساعدة له. لقد كان خالد يبدو كطفل في شهره الخامس، لا طفلا في شهره الرابع عشر، وكان بحاجة عاجلة للمساعدة. وبعد عشرين يوما من التغذية الملائمة والرعاية الطبية، أصبح خالد يبدو مختلفا بالكامل، فهو يبتسم والنور يشع من عينيه، وأصبح لديه فرصة جديدة في الحياة.

إن هذه مجرد قصة واحدة، ولا يزال هنالك الآلاف منها داخل اليرموك، العديد منها أبطالها أطفال، والعديد منهم في حالة يرثى لها كما هي حالة خالد. ويبدو الإحباط واضحا في صوت الدكتور تيسير وهو يقول "لا يزال بإمكاننا إنقاذ العديد من الأطفال، فقط إن استطعنا أن نصل ‘ليهم".

* تم تغير الأسماء الواردة في القصة

 

 

قدم تبرعا
100$ تزود عائلة بالوقود لمدة شهر كامل