8 أيار 2012
أسعد الله مساءكم أيتها السيدات والسادة،
أشكرك يا معالي الوزير نيبل على ترحيبك، وأشكرك على وجه التحديد على قيامكم بدعم برنامج "تحسين المخيمات" الخاص للغاية والذي دأبت الحكومة الألمانية والأونروا على القيام به طيلة خمس سنوات في منطقة الشرق الأدنى والذي يتم عرضه وتوضيحه للجمهور الدولي من خلال هذا المعرض. إن الشراكة بين ألمانيا والأونروا تعد واحدة من أكثر الشراكات قيمة: فهي مشروع مشترك عمل على مساعدتنا في اختبار وتنفيذ نهج جديد لتحسين حياة لاجئي فلسطين الذين تقع مهمة التنمية البشرية لهم (إلى أن يتم التوصل لحل عادل ودائم لمنفاهم) في صلب مهام ولاية وكالتنا.
وفي الوقت الذي دأبت فيه الأونروا على خدمة اللاجئين طيلة ما يزيد عن 60 عاما بصفتها "منظمة" مؤقتة، فإن مخيمات اللاجئين في المنطقة والتي يبلغ عددها 58 مخيما والتي تعد الآن مسكنا لحوالي ثلث ما يقارب من خمسة ملايين لاجئ مسجلين لدى الأونروا، قد نمت لتصبح أحياء حضرية مكتظة. ولسوء الحظ، فإن ظروف المعيشة الصعبة في المخيم تضيف المزيد إلى التحديات التي تتسم بها حياة اللاجئ في المخيم والمفعمة بالنزاعات وعدم الاستقرار.
وإلى جانب عملها الرئيسي في التعليم والصحة والإغاثة من الفقر، فإن نهج الوكالة لتحسين الظروف في المخيمات، منذ وقت طويل، كان بسيطا نسبيا: فعندما كانت الموارد متوفرة، فإن الوكالة كانت تقوم بعملية الإصلاح أو البناء، أو الإضافة إلى البنية التحتية المتزايدة التعقيد في مخيمات اللاجئين. ومن خلال عملنا مع شركائنا الألمان، وهم الجمعية الألمانية للتعاون الدولي (GIZ) وخدمات السلام المدني والبنك الألماني للتنمية تحت مظلة الوزارة الاتحادية الألمانية للتعاون والتنمية الاقتصادية، فقد تعلمنا أنه بمقدورنا عمل المزيد لتحسين المخيمات أكثر من مجرد بناء مدارس أو عيادات أو بنية تحتية جديدة.
وقد درسنا بمزيد من التفصيل والشمولية العناصر المعقدة والمتداخلة لحياة المخيم: ونقصد بذلك العناصر المكانية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وفهمنا تدريجيا وبشكل أفضل أن "الوجود المادي" لتحسين بيئة المخيم لا يكمن فقط في المباني والمنشآت. إن كل طبقة تتطلب القيام بالاستكشاف والنظر مليا عندما نقوم بالتعامل مع الظروف المعيشية الصعبة: مثل اقتصاد المخيم أو الحاجة إلى إيجاد مساحة للعب، أو قوانين البناء أو الأعراف الاجتماعية أو أنظمة الصرف الصحي المائي والكثير غيرها. وعلى المرء أن يفهم أنه وحتى بعد هذا النفي الطويل، فإن حياة اللاجئين لا تزال عرضة للمخاطر بشكل هائل. إن أي تغيير في بيئتهم ينبغي أن يمثل تحسنا في التوازن الدقيق للموارد والأمن والخدمات والفرص التي تعتمد حياة اللاجئين عليها.
إن هذا النهج أكثر تعقيدا من مجرد بناء البنية التحتية. وهو لا يمكن أن ينجح، مثلما قال معالي الوزير، إذا لم يكن المجتمع في الطليعة خلال مراحل المشروع كافة. إن "مشاركة اللاجئين" ووضعهم في صلب عملية التنمية هو الموضوع الرئيس لهذا المعرض والذي ستتم مناقشته من قبل المشاركين في الحوار. ومع ذلك، بطبيعة الحال، فإن الأونروا على مر العقود قد تفاعلت باستمرار مع مجتمعات اللاجئين (وأذكركم بأنها منظمة فريدة من منظمات الأمم المتحدة من حيث أن معلمينا وأطبائنا وممرضينا والعاملين الاجتماعيين لدينا هم أنفسهم من تلك المجتمعات)، ومع ذلك فقد كان علينا أن نقوم بتطوير مهارات جديدة لنضمن أن مشاركتهم في تخطيط وتنفيذ مشاريع تحسين المخيمات يمكن أن تكون مجدية وملموسة، وليست مجرد نهج منمق.
وقد كان ذلك مثيرا جدا للاهتمام بالنسبة لنا ويجعلنا نشعر بالتواضع. وإنني فخور بالقول بأننا في الواقع نتعلم كيف نستمع وكيف نشارك وكيف نفهم بشكل أفضل ونبني مهاراتنا لكي نصنع المزيد. إن إعادة إعمار مخيم نهر البارد في شمال لبنان، على سبيل المثال (وهو مشروع الإعمار المنفرد الأكبر الذي تنفذه الأمم المتحدة في أي مكان في العالم) لم يكن ممكنا لولا الدروس المستفادة في أماكن أخرى حول التخطيط التشاركي الذي تم بفضل الدعم الألماني لهذا البرنامج. إن هذا المعرض يظهر التقدم الملحوظ الذي تم تحقيقه من قبل الفرق المتفانية من سكان المخيم ومخططي المدن ومديري الأونروا الذين يعملون سويا في ستة مشاريع في الضفة الغربية والأردن. ونحن نعكف على البدء بمشروع جديد في لبنان قريبا، وذلك بتوسعة المرحلة التجريبية لتطال مخيم الرشيدية للاجئين الذي تربى فيه أحد الأشخاص الذين يشاركون في نقاشنا اليوم. وكما قال معالي الوزير، فإننا نأمل أن هذا المعرض، والذي سينتقل إلى مدن أخرى بعد برلين، سيصبح قريبا محفزا للمزيد من الدعم من شركاء آخرين، ونحن مهتمون بصفة خاصة بنقله إلى الشرق الأوسط والخليج حيث سيكون هناك اهتمام بهذا النهج.
إن قناعتنا تكمن في أن النتائج الباهرة التي ترونها ينبغي أن تتم توسعتها لتصل إلى كافة مجتمعات لاجئي فلسطين. إنه لطموح إنساني أساسي أن تكون عاملا فاعلا في حياة المرء وعائلته ومجتمعه. وبالمناسبة، فأن يكون لدى المرء رأي في مستقبله الخاص هي الدعوة الأساسية التي يطلقها الملايين من الناس – وخصوصا الشباب – الذين قاموا في العام الماضي بمفاجأة العالم في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وبدأوا بما أصبح يعرف اليوم بالربيع العربي. إن هذا المشروع، برؤيته وبصيرته، قد سعى إلى أن يعمل وفي وقت مبكر على معالجة بعض القضايا التي يثيرها اليوم في سائر أرجاء المنطقة أولئك الرجال والنساء الذين لا يزالون مستبعدين ومهمشين. وإنني آمل أن لا أكون طموحا زيادة عن اللزوم إن قلت بأنها يمكن أن تقدم دروسا مفيدة لأولئك الذين يبحثون عن سبل لتحسين الحكم الرشيد وزيادة المشاركة المجتمعية.
ومع ذلك فإن محنة لاجئي فلسطين أكثر اتساعا وأكثر تعقيدا من ذلك. وبعبارات صارمة، فإنها لن تنتهي بدون حل سياسي للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي، وهو حل يبدو اليوم لسوء الحظ أكثر مراوغة من ذي قبل. إن الاحتلال الذي يتوسع باستمرار للأراضي الفلسطينية، وغياب الوحدة بين القيادات الفلسطينية، يعملان على زيادة محنة اللاجئين. إلا أنه وفيما يستمر البحث عن السلام (كما هو مؤمل)، فإن عدم القيام بمساعدة اللاجئين على تحسين حياتهم، حتى في حالة النفي المعلقة التي يعيشونها، سيكون بمثابة إدخال الخطأ على الخطأ. وهذا ليس مجرد مسعى مادي. ومن خلال الأدوات والمساحة والصوت التي تتمنى ألمانيا والأونروا أن تخلقه من خلال هذا المشروع، فإن لاجئي فلسطين مثل الناس الآخرين في أي مكان سيغتنمون الفرص ويقوموا بتطوير المسؤوليات التي تلازم عملية صنع القرار. وعبر القيام بذلك، فإنهم لن يضمنوا وجود صعوبات أقل في حياتهم فحسب، بل وأيضا يا معالي الوزير ويا أيتها السيدات والسادة فإننا سنضمن أن هنالك المزيد من الثقة والكرامة والأمل في تلك الأرواح، وذلك أمر في غاية الأهمية لهم ولنا أيضا.
ولكم جزيل الشكر