"أرغب بأن أدرس وأصبح طبيبة"، تقول سالي مسعود ابنة الأعوام العشرة وهي تبتسم. إلا أن عائلة سالي تعيش في منطقة التماس الواقعة في الضفة الغربية بين الخط الأخضر والجدار العازل، الأمر الذي يجعل من القيود الشديدة المفروضة على الحركة تفرض ضغوطا متزايدة على تعليمها؛ حيث يتوجب عليها وعلى أشقائها وشقيقاتها الثمانية عبور نقطة تفتيش واحدة على الأقل مرتين يوميا من أجل الوصول إلى المدرسة.
وفي ساعات الصباح من الأيام الاعتيادية، يتم الطلب من كل شخص عند نقطة التفتيش أن يقوم بإبراز هوية والده ونسخة من شهادة ميلاده ونسخة من تصريح عمل والده.
وبالرغم من أن أفراد العائلة يحرصون على الاحتفاظ بنسخ كافية، إلا أنه وفي بعض الأحيان وتبعا لليوم وللجندي الذي يقوم بحراسة نقطة التفتيش، فإن الوثيقة الأصلية هي الكفيلة بالسماح بالعبور.
ومع ذلك، فإن الوالد خليل لا يزال مصرا على أن يستمر أطفاله بتلقي تعليمهم "لكي لا يعانوا في حياتهم مثلما عانيت" على حد قوله.
عالقون في منطقة التماس
يبلغ خليل مسعود الرابعة والستين من عمره، وهو لاجئ فلسطيني من يافا. وتعيش عائلته بالقرب من عزون عتمة، وهي قرية تبعد أميال قليلة إلى الشرق من الخط الأخضر الذي يفصل إسرائيل عن الضفة الغربية. ولا تختلف القرية عن القرى الأخرى التي تقع في منطقة التماس التي تشكل ما مجموعه 10% من مساحة الضفة الغربية.
كانت عزون عتمة في يوم من الأيام تتباهى بحركة مزدهرة من تجارة الفاكهة والخضروات لإسرائيل ولمدينة قلقيلية التي تعد الأقرب لها في الضفة الغربية. وفي السنوات التي سبقت الانتفاضة الثانية، يتذكر خليل أن السفر عبر الخط الأخضر إلى قرية كفر قاسم العربية في إسرائيل كان أمرا سهلا نسبيا؛ أما الآن، فإن الحركة التجارية المحدودة من القرية يعني ببساطة عدم وجود فرص عمل.
واليوم، فإن تصاريح العمل لا تصدر للفلسطينيين علاوة على أن مسار الجدار يترك عائلة مسعود عمليا مفصولة عن عزون عتمة.
إن القرية والعائلة على حد سواء عالقان في منطقة التماس، ولكن وجود سلسلة من نقاط التفتيش ونظام التصاريح العقابي يقرضان قيودا مشددة على إمكانية وصول العائلة إلى القرية وإلى الضفة الغربية الأوسع وإسرائيل. والنتيجة الحتمية لتلك الأمور هي الفقر المدقع والتدهور في الصحة والفرص التربوية والاعتماد شبه الكامل على المساعدات.
قيود على حركة العبور
وينبغي على خليل الذي يعاني من مرض الربو أن يعبر نقطة التفتيش كي يسافر إلى المركز الصحة مرتين أسبوعيا. ولا تعد مسألة عبوره أمرا مؤكدا على الإطلاق، ويشرح خليل ذلك بالقول "في بعض الأحيان قد تتمكن من العبور، ولكن في أحيان أخرى فإنك لا تتمكن".
كما أن نقطة التفتيش تعمل أيضا على جعل مسألة الحصول على الغذاء أمرا ينطوي على صعوبة. وتحصل العائلة على الطرود الغذائية التي توزعها الوكالة فيما يتصل بهم في أغلب الأحيان بعض ذوي الإحسان لإخبارهم بتوفر خبز إضافي من أجل العائلة، إلا أن مجرد القيام بجمع تلك العطايا ينطوي على صعوبات. وفي المرة الأخيرة التي قام خليل فيها بإرسال ابنه محمود إلى القرية لجمع الخبز الفائض، تم منعه من الدخول بواسطة نقطة التفتيش ليعود أدراجه.
إحباط
ولأسباب مفهومة، يشعر خليل بالإحباط من كل تلك القيود المفروضة على مقدرته على إطعام عائلته، وهو يقول أنه غالبا ما يناشد الجنود بالقول "أحضروا الخبز لي أو دعوني أمر!"
واليوم، ومع تداعي صحة خليل وعدم مقدرة عائلته إلى الوصول للخدمات الأساسية ولفرص العمل، فإن الحياة في منطقة التماس تضفي أعباء لا يمكن احتمالها.
وقبل الامتحانات في العام الماضي، جاهدت حنين ابنة الثلاثة عشر ربيعا في العثور على مكان لها داخل البيت الصغير لتقوم بحل واجباتها المدرسية، وقامت بناء عليه بالدراسة تحت النور الخافت لعمود الإنارة الموجود في الساحة، وحصدت حنين ثمار ذلك الجهد بحصولها على معدل 82 بالمئة. وتجد أختها الصغرى سالي نفسها مضطرة لأن تحذو حذوها إن أرادت أن تحقق حلمها في أن تصبح طبيبة.