18 كانون الثاني 2010
دمشق
معالي الدكتور فيصل مقداد
الضيوف والزملاء الأفاضل
إنه لمن دواعي سروري أن أحظى بهذه الفرصة لأشارك في حفل إطلاق خطة الاستجابة الإقليمية من أجل اللاجئين العراقيين ولأقوم بتبادل وجهات النظر مع الحضور الذين يمثلون طيفا واسعا من الخبرات والاهتمامات الإنسانية.
وكما سيعلم العديدون منكم، فقد عملت مع مفوضية شؤون اللاجئين في مجالات واسعة من العمليتا الميدانية قبل انضمامي لرئاسة الأونروا في غزة في عام 2000 كنائب للمفوض العام. إن الأونروا ومفوضية شؤون اللاجئين يمثلان التقليدين الأكبر للحماية والمساعدة للاجئين. إن تلك الوكالتين، واللتان تعملان مع الدول ومع الهيئات غير الحكومية، هما الأداتان اللواتي يستطيع المجتمع الدولي من خلالهما أن يضمن أن الشعوب المضطرة، بسبب الاضطهاد أو النزاعات المسلحة أو انتهاكات حقوق الإنسان، للبحث عن السلامة في بلدان غير بلدانها الأصلية يتم استقبالها بكرامة ومعاملتها بروح التعاطف إلى أن يتم إيجاد حلول لمعاناتها.
ولعقود عديدة، وضع الشرق الأوسط تحديات هائلة في وجه نظام الحماية الدولية. فهذه المنطقة تجتمع فيها القوى الدينية والديموغرافية والسياسية المعقدة لتتحد غالبا مع مخاصمات قديمة لتحدث نزاعا وتسبب فرار اللاجئين. إن وفرة الثروات الطبيعية في المنطقة علاوة على أهميتها الجغرافية السياسية تضمن أن تكون الاضطرابات فيها مثار اهتمام وقلق دوليين، وغالبا إلى درجة تؤثر على السلام العالمي والقضايا الأمنية التي تستحق انتباه مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة. ومع ذلك، فإن النجاح في صياغة حلول تفاوضية للنزاع كان نادرا، الأمر الذي أدى إلى استمرار غليان العداوات وعدم حل العمليات العدائية وإطالة أمد أوضاع اللاجئين.
وجنبا إلى جنب تلك الميول المفعمة هناك مجموعة من السمات الإقليمية الإيجابية. إن منطقة الشرق الأوسط مشهورة بإمكاناتها الاقتصادية وإمكانات التنمية البشرية فيها، وهناك مؤشرات مثيرة للإعجاب في مجال محو الأمية والتحصيل العلمي، علاوة على وجود سجل راسخ وعميق في القيم الثقافية والدينية حيال تقديم الضيافة للاجئين. إن حقيقة أن اللاجئين الفلسطينيين قد تمت استضافتهم في هذه المنطقة منذ عام 1948 وأن عددهم قد أصبح الآن يزيد عن 4,6 مليون، لهي مثال على الكرم الذي ليس له مثيل في أي مكان آخر في العالم. إن الدور الذي تضطلع به سورية يستحق الإشادة بصورة خاصة، ليس فقط من أجل الحقوق والحريات التي تمنحها للاجئين الفلسطينيين بل وأيضا من أجل الدعم غير المحدود الذي توفره لهم وللأونروا في المحفلين الإقليمي والدولي. والشكر موصول أيضا للبلدان الإثنتي عشرة التي تستضيف اللاجئين العراقيين وهي الأردن ومصر وتركيا وإيران ودول مجلس التعاون الخليجي.
إن هذا التقليد الغني من اللجوء يمتاز بأوجه عديدة. فحكومات وشعوب المنطقة، بالنسبة للجزء الأكبر منهم، تعمل على تسهيل ودعم عمل الوكالات الإنسانية وتلك التي تعنى بالتنمية البشرية. إن قيم الأمم المتحدة معترف بها بشكل عام علاوة على أن مبادئ حقوق الإنسان والتي يرتكز عليها عمل اللاجئين معروفة تماما. كما أن التضحيات التي قدمتها البلدان التي تستضيف اللاجئين تستكمل من خلال السجل الرائع بالعطاء من قبل مجتمع المانحين، ولا سيما في ظروف الطوارئ.
وفي هذه المنطقة، وحيث التحديات الجسام تتعايش مع الإمكانات الكبيرة، فإن حماية ومساعدة اللاجئين تتطلب اتباع نهج متعدد الاتجاهات ومتعدد الجوانب والذي، في الوقت الذي يكون فيه مرتكزا على مبادئ وقيم الأمم المتحدة، ينبغي أن يكون واقعيا بدرجة كافية لتشجيع الابتكار والانتباه لطرق جديدة في معالجة المشاكل القديمة. وسأقوم بعرض بعض الأفكار حول العناصر التي تسهم في ضمان عمليات إنسانية فاعلة في منطقتنا. وفي حين أن هذه الأفكار مستمدة من فهمي لعمل مفوضية اللاجئين علاوة على خبرات الأونروا مع اللاجئين الفلسطينيين، فإنه ليسرني أن ألاحظ أن العديد من المكونات التي أعتبرها النهج الأمثل يتردد صداها في خطة الاستجابة التي نقوم اليوم بإطلاقها.
إن أحد تلك العناصر هو أسس بياناتنا وأنشطتنا في المبادئ المهيمنة للحماية وحقوق الإنسان والقانون الدولي. إن النهج المبدئي هو ذلك الذي يأخذ نقطة انطلاقته من حقيقة أن استحقاق اللاجئين بالحماية لا يمكن إنكاره وبأن واجب الدول في ضمان الحماية لهو التزام قانوني بموجب القانون الدولي. وباعتبارها أمورا مبدئية، فإن الحق في الحماية وواجب الحماية تتمتعان بالحصانة عبر الوقت. إن اللاجئين الفلسطينيين الآن في عامهم الستين من الطرد، بينما اللاجئون العراقيون يدخلون عامهم السابع من اللجوء. وبغض النظر عن مدة النفي أو عن مراوغة الحلول العادلة والدائمة، فإن مسؤولياتنا في الحماية ينبغي أن تبقى حية، كما ينبغي أيضا أن لا نتنازل عن مساعينا في تحقيق أفضل أسباب الرفاه والمنفعة للاجئين.
كما أن النهج المبدئي يعمل أيضا على توجيه تصميم وتقديم برامجنا، وعلى تغذية سعينا وراء الجودة في تقديم الخدمة. إن المبادئ التي نقيس من خلالها عملنا لا تحكمها أفكارنا الخاصة بالكرم فحسب، بل وتحكمها أيضا حقوق الإنسان وحقوق اللاجئين المنصوص عليها في الصكوك الدولية. ومن بين تلك الحقوق هناك الحق في البحث عن ملجأ والتمتع به والحق في أن يتم الاعتراف بهم كأشخاص أمام القانون والحق في التعليم والرعاية الصحية والغذاء والمسكن ومستوى معيشة لائق، وفي نهاية المطاف، حق كل لاجئ بأن تتم معاملته بطريقة تتسق مع كرامته المتأصلة ومع قيمته كإنسان.
وفي الأونروا، فإن هذا التوجه المستند للحقوق معبر عنه في نموذج التنمية البشرية الذي كان السمة المميزة لعمل الوكالة منذ عام 1950. إن ما تشير إليه خطة الاستجابة للاجئين العراقيين بأنه "الحيز الصعب بين اللجوء والعودة" هو المكان الذي يوجد فيه اللاجئون الفلسطينيون منذ أكثر من ستة عقود. إن التوجه الذي تنتهجه الأونروا هو ملء ذلك الحيز ببرامج التنمية البشرية المبنية على عطش الفلسطينيين للتعلم وعلى دافعهم لتحسين الذات. إن تلك المداخلات، والتي تم تبيانها مؤخرا في الاستراتيجية متوسطة الأجل للأونروا، تحافظ على منظور تقدمي في تعزيز الاعتماد على الذات والأمن الإنساني للاجئين الفلسطينيين، وبالتالي تساعد في إعدادهم للمساهمة إيجابيا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية في مجتمعاتهم.
إنني أعلم أن العديد من اللاجئين العراقيين في المنطقة يتشبثون بقضايا الحماية القانونية المتعلقة بالإقامة والوثائق الشخصية والوصول للوظائف، وأعترف بالحاجة لأن تعطى تلك القضايا الأولوية التي تستحقها. إن التوجه المبدئي الذي يسلط الضوء على أهداف التنمية البشرية سيكون نافعا للاجئين من العراق، ليس أقله في ضوء العقبات التي لا تزال كبيرة أمام عودتهم الطوعية الآمنة والكريمة لبلدهم. إن هذا الأمر معترف به في أجزاء عديدة من خطة الاستجابة، علاوة على أن تحقيق الاكتفاء الذاتي للاجئين العراقيين مذكور صراحة كهدف في نشاطاتها المرجوة. إن تجربة الأونروا (ومفوضية شؤون اللاجئين أيضا) تبين أن اللاجئين الذين يتم تزويدهم بالفرص لاكتساب المهارات وللوصول إلى أسواق العمل بسرعة يصبحون مساهمات صافية في اقتصاديات البلدان والمجتمعات التي تستضيفهم. وبشكل واضح، فإن اللاجئين من العراق ليسوا استثناء.
وهناك جانب آخر للعمليات الفعالة ينبثق من نهج مبدئي. وأشير هنا إلى مهمة كسب التأييد التي تعتبر جزءا لا يتجزأ من مهمة كل وكالة مفوضة برعاية ورفاه اللاجئين. وفي نظام الحماية الدولية، فإن العمل الإنساني يكون أكثر فعالية عندما يتم استكماله بالتداخلات الحاسمة والمبدئية للدول والجهات السياسية الأخرى، بما في ذلك أولئك الذين هم داخل نظام الأمم المتحدة. ذلك أنه في الدائرة السياسية ومن خلال سلطة المجتمع الدولي يمكن لأسباب التشريد القسري أن يتم التطرق إليها وإلى أن تتم معالجة الأسباب الأصلية وراء الاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان والنزاعات المسلحة، وذلك من أجل خلق الظروف التي تؤدي إلى حلول عادلة ودائمة لمحنة اللاجئين.
وفي منطقتنا، كان هناك بعض الحالات التي كان اللاعبون السياسيون فيها مشتتون عن الواقع الإنساني، ولم يكن عملنا يبدو أنه يحشد الدرجة المطلوبة من الاهتمام في المجال السياسي. إن تلك الحالات تتطلب انخراطنا في مهام كسب التأييد. إننا في المجتمع الإنساني نتشارك بالمسؤولية في مواجهة الدول واللاعبين السياسيين بالحالة الحقيقية لحقوق الإنسان وتذكيرهم بالتزاماتهم القانونية لضمان الحماية. إن تسليط الضوء على مسؤولية الدول وتبنيها لقضية حقوق الإنسان وحماية اللاجئين تضع عملنا البرامجي الليومي في سياقه الصحيح وتعمل على تعزيزيه. كما أن كسب التأييد يساهم أيضا في علاقة الثقة التي نتشارك بها مع اللاجئين الذين ينضوون تحت رعايتنا.
إن النقاش بشأن المكونات الأساسية للعمليات الإقليمية الناجحة سيكون ناقصا بدون الإشارة إلى أهمية التنسيق مع الحكومات وفيما بين الوكالات الإنسانية. إننا نعمل في عالم معقد ومتعدد الأطراف يتم توفير الحماية الفاعلة والمساعدة بشكل أفضل من خلال تسخير مجموعة واسعة من المهارات والموارد والعمليات. وحيث أنه لا يوجد هناك أية وكالة أو كيان منفرد تحتكر الكفايات، فإن التعاون الدولي يعد متطلبا أساسيا للعمل الفاعل للاجئين.
[وكما أشار مساعد المفوض السامي] فإن خطة الاستجابة الإقليمية تعكس بقوة هذا النهج. إن الخطة تعد مثالا رائعا لإطار العمل العملياتي الذي يستند إلى لاعبين متعددين يعملون جنبا إلى جنب في سبيل أهداف حماية ومساعدة مماثلة. إن الشرق الأوسط هي منطقة تتسم بحكومات مركزية قوية وقطاع عام مسيطر بحيث أن مقاليد التنمية البشرية معقودة بشكل كبير على أجهزة الدولة. وأيضا، وفي جميع أرجاء المنطقة، فإن قضايا اللاجئين تعتبر تاريخيا قضايا ذات اهتمام عام. وفي هذا المناخ، فإنه ومن خلال الشراكة الناجحة مع كل من المنظمات الحكومية وغير الحكومية نستطيع إظهار المنافع المشتركة التي من المحتمل أن يتم عرضها للجميع (اللاجئين والمجتمعات المضيفة على حد سواء) عند تحقيق حقوق الإنسان وأهداف التنمية البشرية.
ويجدر أن يؤخذ في الاعتبار أيضا أن التنسيق يعد عملية ديناميكية للمحافظة على العلاقات الضرورية. وفي هذا الخصوص، فإن تنفيذ خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين تتطلب أن نعمل على تشجيع التواصل مع كافة الشركاء ومشاركة المعلومات والأفكار بشكل شفاف وأن نتبنى، بحسن نية، الاقتراحات من أجل تحقيق معايير التميز.
إن الربط بين عملية المناشدة الموحدة وخطة استجابة اللاجئين ستضمن أن الأخيرة تعتمد على نقاط القوة لآليات التنسيق والتي أثبتت جدواها. ومع ذلك، فإن على الوكالات أن تبقى واعية للقضاء على ازواجية المهام علاوة على ظهور فجوات في تغطية الحماية واحتياجات المساعدة.
وأخيرا، فإنه من المناسب تسليط الضوء على دور المنظمات غير الحكومية وأهمية تنسيق الأمم المتحدة معها. إن المنظمات غير الحكومية تمنح الحماية والمساعدة مرونة عملياتية تعمل على إتمام طريقة عمل وكالات الأمم المتحدة. والأهم من ذلك، فها غالبا أقرب إلى أرض الواقع وللمجتمعات المضيفة، مما يمكنها من العمل كوسائل مناسبة لبناء القدرات وتبادل المعلومات.
الزملاء الأفاضل،
لم يتبق لي ببساطة إلا أن أختم ملاحظاتي وأن أتمنى لكم يوما محفزا ومنتجا. إن جدول الأعمال الموجود بين أيدينا قد تمت صياغته بعناية، وتم اختيار موضوعات جلسات النقاش بحيث تضمن تبادل الآراء المثير للتفكير. وإنني لعلى ثقة من أنه وبنهاية هذه المداولات فإن حديثنا الجماعي سيكون قد ساعد في إنارة أية مسائل عالقة ومهد الطريق من أجل حشد ناجح للموارد، وبالتالي تنفيذ خطة الاستجابة الإقليمية للاجئين العراقيين للعام 2010.
ويحدوني الأمل أيضا بأن يقوم المجتمع الدولي قريبا بتأكيد سلطته وبأن يقوم، جنبا إلى جنب الأطراف المشتركة في الصراعات التي لا تنتهي في هذه المنطقة، بالعمل من أجل إرساء هدوء إقليمي لطالما كان بعيد المنال. وإنني أعبر عن هذا بدون خوف من التناقض لأنه وبوصفنا جهات إنسانية فاعلة فإنه من طبيعتنا أن نبقى حازمين في قناعتنا بأن العدالة والسلام سوف يسودان في نهاية المطاف، علاوة على أن ذلك يتفق أيضا مع دورنا.
وإلى أن يأتي ذلك اليوم، فإننا (سويا مع حكوماتنا وشركائنا من المنظمات غير الحكومية) يجب أن نسعى وبنشاط مستمر وراء رفاه اللاجئين الذين نقوم على خدمتهم وتحقيق أفضل مصالحهم، وأن نبقي أنظارنا ثابتة تجاه ذلك الوقت الذي ستكون فيه الحلول العادلة والدائمة متاحة لهم جميعا.