13 كانون الأول/ ديسمبر2009
توفي والدي عن عمر يناهز الثمانين سنة، رحلة طويلة قضاها بالمعاناة، و العمل الشاق الدءوب لتكون حياتنا نحن أولاده أفضل من حياته. و كمثل الآلاف من اللاجيئيين الفلسطينيين، لم تكن حياة والدي سهلة أو حتى طبيعية، حيث كان يعمل و يكدح ليغير واقعا فُرض عليه، ذلك الواقع المرير الذي لم يكن بيد والدي أن يتحكم فيه، واقع فقدان الوطن و الهوية، فقدان الأرض و الانتماء، و الالتصاق بمفردة لغوية جردته من كل حقوقه الإنسانية، جردته من الحق بامتلاك وطن، و العيش فيه بكرامة.
كم شعرت بالحزن و الغضب في آن واحد حين توفي والدي، الحزن لفقدان أب عظيم و الغضب لأنني أيقنت بأنه توفي بدون أن يحقق حلمه الأعظم، و هو رؤية ما كان وطنا له و لو للمرة الأخيرة. في كل سنة كان والدي ينتظر متمسكا بذلك الحلم، بدون أي شعور بالكلل أو التعب.
أصيب والدي في أيامه الأخيرة بحالة من الإحباط الشديد، و فقد الاهتمام بكل شيء و بأي شيء ، حتى أنه فقد المتعة التي كان يشعر بها حين يري أولاده و أحفاده الذين عنوا له الكثير.
انتابته حالة من الضعف الشديد لدرجة أنه لم يقوي علي الحديث، أو ربما لم يعد يريد التحدث بعد ما اكتشف أنه لم تعد هناك قيمة للكلمات، و أن الحياة باتت قصيرة جداً.
أودع والدي المستشفي لمدة أسبوع، و في إحدى تلك ا لحظات، حيث يمكن استرجاع الماضي، بدأ والدي يستعيد ذكرياته و كأنه يعيش تلك اللحظات البعيدة من جديد، متحدثا بصوته العالي، ليس عن أولاده، أو زوجته، و ليس عن أحفاده و منزله بل عن تلك الأيام التي كان فيها والدي شاباً فتياً، يعمل في النسيج ليعيل عائلته، لم يعد والدي يأبه بنا و نحن حوله بل كان يعيش تلك اللحظات بكل مل بقي لديه من قوة في جسده الهزيل، كان يحرك يديه كما لو انه فعلا يقوم بالنسج. تحدث والدي عن كل شيء يتذكره و يحن إليه، بل و تخيل أنه يجمع القطع التي نسجها ليذهب لبيعها في السوق، و حين هم بالنهوض من سريره وقع أرضاً، و لكنه لم يبالي، و لم يشعر بذلك الجرح الدامي في رأسه حين ارتطم في الأرض، و حين حاولنا أن نعيده للسرير حاول مستميتاً النهوض مرة ثانية، و كأن كل ما يعنيه هو بيع تلك القطع التي نسجها، و العيش في الماضي و لو للحظات عابرة.
حينها فقط أيقنت كم يفتقد والدي حياته القديمة، في وطنه الذي ينتمي إليه، في المكان الذي ولد فيه و تنفس فيه، في المجدل. أيقنت أيضا بأن الحياة الجيدة التي كان يعيشها والدي في المخيم بعدما استقر لم تكن تعني له الكثير، و أن ذلك المنزل الكبير متعدد الطوابق لم يكن لينسيه منزله المتواضع في المجدل. بل و أنه فضل تلك الساعات الطويلة التي كان يعمل فيها منذ شروق الشمس و حتى غروبها حتى يصل للحياة التي صنعها من أجلنا نحن أولاده.
توفي والدي و هو في الثمانين من عمره، قضي معظمها ينتظر، يأمل و يصلي بأن يحل السلام حتى يستطيع أن يذهب لوطنه الأصلي، ليتنسم هواؤه و يمشي علي رمله. و لكنه مات قبل أن يحقق أسمي أمانيه، مات كلاجئ، و دفن في مكان لا ينتمي و لم ينتمي له.
و أتساءل هنا كم عدد أولائك الذين من الجيل الثاني للنكبة مثل والدي قُدر لهم أن يُدفنوا بأرض ليست أرضهم و تحت تراب ليس لهم، أُلصقت بهم كلمة لاجئ في شهادة وافتهم كما كانت في شهادة ميلادهم أيضاً. أيبدو ذلك عدلاً في عالم يتباهي بحقوق الإنسان.
ألا يكفي ما ذاقه هؤلاء من ألم التهجير و صعوبة العيش فيما بعد مشردين و مهملين في أنحاء الأرض! ألم يحن الوقت بعد ليصحو العالم و يقف وقفة حقيقية لإنهاء هذا التشرد الذي يعيشه اللاجيئيين الفلسطينيين جيلاً بعد جيل؟؟
ألم يحن الوقت للعمل علي إحلال سلام حقيقي تستطيع بعدها تلك الأرواح المعذبة لأجدادنا و أبائنا بأن تسكن في سلام؟ أم أنه كتب علينا نحن اللاجيئيين أن نعاني في الموت كما عانينا في الحياة ؟؟؟؟
نجوى الشيخ , مخيم النصيرات
نجوى الشيخ أحمد لاجئة فلسطينية تقيم في مخيم النصيرات مع زوجها وأطفالها الأربعة . وهذه هي إحدى رواياتها الشخصية.