24 اذار 2009
تُعتبر الأحلام من الصفات الضرورية التي يتمتع بها البشر، فهي نعمة خاصة لأهالي قطاع غزة، حيث الحصار و تدهور الأحوال المعيشية و ما خلفته الحرب الأخيرة تركتهم بلا أي فرص لتحقيق أي من أحلامهم، أو حتى تلك الأمنيات المتواضعة المتعلقة بمستقبلهم. و لهذا كانت الأحلام طريقة لتخفيف الضغط النفسي و الإحباط في حياتهم اليومية. عوالم من الخيال، استطاع كل واحد منا خلقها لتحوي ما يفتقد في الواقع، يتحكم كل منا بعالمه الخاص، فيضيف ما يحب و يلغي ما يكره ليصبح العالم المثالي في أعين صاحبه.
كم تبدو غزة جميلة، مثالية في عالمي المثالي، أتناسي فيه الحياة الصعبة القاسية التي عليّ أن أعيشها، فأجد نفسي متنقلة في عالم آخر، أستمع إلي الموسيقي، الكلاسيكية خاصة، لما لها من تأثير في نفسي، فهي تغذي الروح، و العقل و تنقلك لعوالم أخري، حيث تستطيع أن تحلم، أن تشرق، أن تحلق عالياً، و حيث كل شيْ جميل، ففي عالمي هذا لا وجود للكراهية، للقبح، و لا وجود للفناء.
في عالمي يفقد الوقت أهميته، و لهذا أمضي ساعات و ساعات و أنا أستمع للموسيقي مرة تلو الأخرى، مندهشة من تلك القدرة السحرية للموسيقي و أثرها علي العقل و القلب، رافضة أي محاولة لإعادتي للواقع المرير حيث أعيش.
غزة حيث أراها في عالمي حرة، لا وجود فيها للحدود، لا وجود للاحتلال، و لا وجود فيها للعنف. شمسها مشرقة دائما، بحرها نظيف، و هواؤها منعش.
لا يتوسل فيها الناس لنيل بعض المساعدات الغذائية، أطفالها يلعبون سعداء في مساحات واسعة خضراء. يمارسون طفولتهم بحرية، ليس عليهم أن يقلقوا أو أن يفكروا بالعمل لمساعدة عائلاتهم، بإمكانهم اللعب طوال اليوم، و بإمكانهم التمتع بمسكن نظيف، و تعليم لائق، و حياة طبيعية.
غزة في عالمي الافتراضي نظيفة، ماؤها عذب متوافر. مشافيها مجهزة تماماً، ذات طواقم محترفة، أدويتها للجميع، و لهذا لا نخشى إذا ما أصيب أحدنا بوعكة صحية.
أما الناس في عالمي هذا يمكنهم التخطيط لمستقبلهم و مستقبل أولادهم كما يفعل أولئك الذين يعيشون حياة طبيعية، كما يستطيعون أن يقطعوا وعوداً لأولادهم، وعوداً يمكنهم الوفاء بها، و عوداً بحياة لائقة سعيدة.
كنت بالأمس أنظف أرضية المنزل، حينها قاطعني ابني أحمد قائلاً " تخيلي يا أمي بأن هذه الممسحة تعمل كالممحاة، و أن لأي شيء تلمسه يختفي" ابتسم ثم أكمل " حينها أود لو مسحت جميع الدبابات، و الطائرات و الأسلحة في العالم".
أما مصطفي فقال " أود لو أمسح تلك الحدود و المعابر فأصبح حراً أسافر وقتما أشاء و أينما أشاء".
كنت أستمع و أنا أشعر بحزن شديد لأنني أدركت كم أصبح أطفال غزة علي وعي بما يدور حولهم من صراع فأثر حتى علي أمنياتهم. تلك الأمنيات التي جاءت معبرة عن واقع مرير، أمنيات لن تتحقق في الواقع.
و سيستمر سكان غزة في خلق عوالمهم الخاصة الجميلة و التي بعد فترة وجيزة ستُفقدهم أي ارتباط بالحياة الحقيقية التي يعيشونها، و بالواقع، و حينها سيصبح الكبار و الأطفال سواء، يصعب عليهم التفريق بين الواقع و الخيال، فيلجأون أكثر لتلك العوالم الخيالية كملاذ يبعدهم و لو للحظات عن واقعهم المرير.
و لكن هل سيكون بإمكانهم العودة و التواصل مع الحياة الواقعية، أم أنهم سيختاروا تلك العوالم الخيالية للعيش فيها.
نجوى الشيخ , مخيم النصيرات
نجوى الشيخ أحمد لاجئة فلسطينية تقيم في مخيم النصيرات مع زوجها وأطفالها الأربعة . وهذه هي إحدى رواياتها الشخصية.