24 اذار 2009
صادف بالأمس القريب ( 15 أيار ) الذكري الواحد و الستون للنكبة، ذلك المصطلح الذي يعكس فقدان الأرض، فقدان المسكن، و كل ما هو مرتبط بهذا الحدث من ألم. و علي الرغم من أن العديد من الكتاب أسهبوا في الحديث عن النكبة و فقدان الوطن، و إهدار كرامة أمة بأكملها إلا أن أي منهم لم يكتب عن خيبات الأمل المتتالية و التي حملها اللاجئون الفلسطينيون منذ ذلك الوقت، تلك الخيبات التي كما الأحلام و الآمال انتقلت من جيل إلي آخر بدون أي أمل في تحقق أي منها.
و مع مرور كل ذكري للنكبة تجدنا نحن اللاجئين الفلسطينيين في شتي أنحاء العالم نستحضر الذكريات القديمة التي احتفظنا بها وورثناها من آبائنا و أجدادنا، نروي القصص الهجرة، و النجاة، قصص الهروب علي أمل الرجوع بعد حين، إلا أن الواقع الأليم باستمرار الانتظار أثر في إحساسنا بالزمان و المكان، بل و أثر في تلك العلاقة الحميمة التي كانت تربطهم بموطنهم الأصلي.
و بمرور سنة جديدة علي النكبة، كنا، نأمل بأن يتبقى لنا فرصة للسلام، للعدالة، أو حتى ضوء خافت ليبعث الأمل في حياة أفضل إن لم تكن لنا فلأولادنا من بعدنا، ليعيشوا حياة كريمة بعيدة عن العنف و الحروب، بعيدة عن الألم و مرارة الفقدان، إلا أن أحلامنا و توقعاتنا المتواضعة تُقابل دائماً بخيبات للأمل، و تتركنا نندب ليس فقط مشاعر الحزن المتجددة بداخلنا بل و نندب أيضاً فقداننا لإنسانيتنا.
و مع كل ذكري للنكبة ندرك أننا محكومون لأن نعيش النكبة مجدداً، مرة تلو الأخرى، مقرونة في كل سنة بألم جديد و خيبات أمل عظيمة. إن القصص التي نرويها، قصص أجدادنا، مفاتيح البيوت التي أُرغمنا علي هجرها، رائحة أشجار البرتقال، و رائحة الزعتر البري ما هي إلا أطياف أشباح من الماضي البعيد، تخبو ببطء مع موت واحد ممن عاصروا النكبة، و ممن أُرغموا علي الهجرة. لأن كل واحد منهم يموت حاملا أحلامه، و ذكرياته الغضة عن الوطن، يموتون و يتركون لنا خطوط غير واضحة عما كان حياتهم سابقاً.
كم كان يأسرنا جمال و سحر قصص الأجداد و الآباء عن الوطن، علي خلاف الجيل الجديد من الفلسطينيين و الذين سيفقدون ما يربطهم مع ماضيهم،و جذورهم، فالقصص القديمة، مفاتيح المنازل القديمة، الملابس و حتى أوراق ملكية الأرض لن تعني لهم شيئا، و لن تكون سوي شعائر تذكرهم بالآباء و الأجداد و سُيغمرون بإحباط متكرر نتيجة لهذا الفقدان.
حين كنا نسمع قصص التهجير التي حملها آباؤنا و أجدادنا و التي كانوا يرووها لنا، كنا نشعر بألم التهجير، و نتذوق مرارة عدم رؤية الوطن مرة أخري، انتقلت لنا هذه المشاعر، و تأثرنا بها، فحملنا بصيصاً من الأمل بأن تبقي هذه القصص مليئة بالحياة، و لكن مع مرور الزمن، لتصبح النكبة 61 عاما و ما زلنا نحمل هذه المشاعر معنا، أصابنا الإحباط، و تبدلت مشاعر الانتماء لما كان وطناً لتصبح خليط من الخيبة، و الإحباط و هكذا فقدنا الرابط فكسرت الدائرة، دائرة الانتماء.
سحق اللاجئين الفلسطينيين تحت كم الخيبات التي تعرضوا لها و خاصة أولئك الذين يعيشون في غزة بعد عملية الرصاص المصبوب. فحجم الدمار الهائل، و عدد القتلى الذي تعدي الألف، و الضغوطات النفسية و العصبية التي اضطر أهل غزة أن يعيشونها في تلك الفترة تركتهم شديدي الهشاشة، ضعاف، بكل سهولة. لم يعد هناك من مكان لسلام الروح أو العقل، تؤرقنا آلام الحرب، و إمكانية المرور بحرب أخري.
بدا حجم الإحباط واضحاً في قرار اتخذه كلا طفلاي حين أعلن كلاهما بالأمس أنهما لن يتزوجا عندما يكبران، و لا يريدان أن يرزقا بأطفال لأنهما بكل بساطة لن يحتملا الألم الذي سيشعران به عند فقدان أطفالهم، أو عند رؤيتهم يتألمون بدون القدرة علي مساعدتهم...... "هم محقون في قرارهم و لكنني مصدومة.
نجوى الشيخ , مخيم النصيرات
نجوى الشيخ أحمد لاجئة فلسطينية تقيم في مخيم النصيرات مع زوجها وأطفالها الأربعة . وهذه هي إحدى رواياتها الشخصية.