25 كانون ثاني 2009
انتهت الحرب أخيراً علي غزة، يستطيع أطفالي الآن الرجوع إلي مدارسهم، إلا أن إجازتهم النصف سنوية انقلبت لتصبح كابوسهم البشع، بل أبشع ما يمكن أن يحصلوا عليه. كابوساً حملهم بصور لا تُنسي من الوجوه الميتة- وجوه من أحبوهم-، منازل مدمرة، لحظات مخيفة و تجارب قاسية لا يستطيعون التعامل معها و لا يجب بأي حال أن يتعرضون لها.
سيروي الأطفال قصصهم و تجاربهم عن الحرب، و مع كل قصة سيرونها عن تجربة معينة-كهدم بيت، أو فقدان شخص من عائلتهم- سيسترجعون مرة ثانية تلك المشاعر المؤلمة التي صاحبتهم في التجربة التي مروا بها. و بالطبع فإن قصصهم ستكون مليئة بمشاهد مرعبة و مشاعر مضطربة لن ينسوها مدي الحياة.
انتهت الحرب و لكن آثارها باقية، ليس فقط الآثار المادية المتمثلة بتدمير البني التحية للقطاع، بل و المعنوية المتمثلة بتدمير الجانب الفكري و النفسي لسكان القطاع بشكل عام و لأطفاله بشكل خاص.
لقد مر أطفال غزة بانتفاضتين، ثم حصار خنق طفولتهم إلي حرب أتت علي ما تبقي منها، تاركة تأثيرها القوي علي حياتهم، و شخصيتهم، و عقولهم و قلوبهم الصغيرة، فنسوا أنهم أطفال....
كنا في التاكسي عائدين من زيارة عائلية عندما انخرط ابني مصطفي في حوار طويل مع سائق السيارة، ً، هالتني الطريقة و المفردات التي تحدث فيها ابني معبراً عن مرارته عند رؤيته للمنازل المدمرة علي طول الطريق، حينها أيقنت من أن مصطفي ابن الثماني سنوات لم يعد طفلا.
أكمل سائق التاكسي حديثه معلقاً عن أولئك الذين فقدوا أحبتهم، بأن الحياة ستستمر، و بأنهم سينسون مع مرور الزمن، حينها قاطع مصطفي الحديث بصوت حازم قائلاً "من سينسي، لن ينسي أحد، حتى لو أعطيتموني أموال العالم جميعاً فلن أنسي لحظات الخوف، لن انسي اللحظات التي كنا ننتظر دورنا لنموت"، لقد صُعقت لسماع كلمات ابني المملوءة بالمرارة.
في المساء جلسنا نتحدث عن يوم غد، يومهم الأول في المدرسة، كنت أُخبرهم عما سيفعلونه غداً، و عن الوقت الرائع الذي سيقضونه هناك، خاصة أن جميع المدارس ستقوم بأنشطة ترفيهية للأطفال للترفيه عنهم و جعلهم ينسون بعضاً مما مروا فيه، لم يُبدي أطفالي أي ردة فعل، أو أي اهتمام، كأنهم فقدوا الإحساس بالأشياء، لقد كانوا هادئين جداً.
حينها صليت و أملت بأن ينسي أطفالي ما عايشوه خلال الحرب، أملت بأن يرجعوا أطفال، بأن يحبون ما يحبه الأطفال، و بأن يتمنون ما يتمناه الأطفال.
و لأنهم يحبون الرسم، أحضرت لهم أوراق و ألوان لعل ذلك يخفف عنهم، رفض مصطفي الرسم و كتب علي الورقة "غزة تحت النار، لا ماء، لا كهرباء، لم يتبقى لنا سوي الموت و الحصار" بينما رسم أحمد منازل مهدمة و طائرات تُطلق النار من السماء و رفض بعدها أن يُكمل الرسم.
في الصباح التالي ذهب كل من مصطفي و أحمد إلي المدرسة، كنت آمل بأن يرجعوا و هم مليئين بالحماسة لرؤيتهم لمدرستهم، لأصدقائهم و لمعلماتهم، كنت أنتظر عودتهم ليخبروني كل شيء عن يومهم الأول، و عن فرحتهم، و لكنهم عادوا محملين بقصص أصدقائهم الذين فقدوا بيوتهم، أو الذين فقدوا أحبائهم. بدا لي حينها أن أطفال كما الأطفال الآخرين يرفضون أن ينسوا، يرفضون حتى السماح لأنفسهم بالنسيان.
حينها سألت نفسي عن أولئك الأطفال الذين كانوا في قلب الحدث، الذين شهدوا التدمير و القتل بأُم أعينهم، كيف سيعيشون؟؟؟
نجوى الشيخ , مخيم النصيرات
نجوى الشيخ أحمد لاجئة فلسطينية تقيم في مخيم النصيرات مع زوجها وأطفالها الأربعة . وهذه هي إحدى رواياتها الشخصية.