06 كانون ثاني 2009
كم تبدو السماء جميلة و شديدة الزرقة، أيقنت أنني لم أرها منذ ثلاثة أيام، نسيت كم تبدو جميلة في يوم مشرق من أيام الشتاء، تمنيت لو أستطيع الذهاب و المشي علي شاطئ البحر، بدا كل شيء هادئاً.
انتقلت منذ ثلاثة أيام أنا و زوجي و أولادي إلي بيت العائلة، تركنا شقتنا التي تطل علي مناظر خلابة أملا بألا يسمع أطفالي صوت الانفجارات العالية، التي توقظهم من نومهم مذعورين. لم يعد بإمكاني أن أعدهم بأن غداً سيكون أفضل، و بأنهم سيكونون أحياء. كما أنهم توقفوا عن سؤالي متي ستنتهي الحرب، أو متي سيستطيعون عيش حياتهم الطبيعية كما أطفال العالم.
في غزة تتشابه صور العدوان، إلا أنها هذه المرة أكثر شراسة و بغضا توقفنا منذ زمن من التمتع بشي، لم يعُد بمقدوري أنا و أطفالي تحمل صوت القنابل المستمرة المنطلقة من سفنهم الحربية نهاراً. و لكن في الليل يزداد الأمر سوءاً، يذهب أطفالي للنوم باكراً علي غير عادتهم لتفادي صوت الانفجار المدوي الذي تحدثه طائرات الاف 16.
لا يمكن لأحد أن يتخيل الرعب الهائل الذي يصيبك عند سماع صوت الصاروخ قبل انفجاره، في كل مرة تشعر بأنك أنت المستهدف، تُغمض عينيك و تعد الثواني التالية قبل أن يهتز المكان من حولك و يضيء من هول الانفجار. في تلك اللحظات كل ما تستطيع فعله هو أن تشكر الله بأنك ما زلت حياً أنت و أطفالك، فهناك يوم آخر لتعيشه....
سمعت الكثير عن الحروب، و عن مدي كراهية الناس لها لما تتركه من ألم في النفوس و القلوب. لقد شهد اللاجئين الفلسطينيين الحرب أكثر من مرة، ألا أنها هذه المرة أكثر عنفا و شراسة، ليس فيها أي رحمة، و ليس هناك فرق بين طفل أو شيخ، أو حتى جنين لم يُلد بعد، فجميعهم مجرمون يستحقون الموت حسب إسرائيل.
توقفت عن الأمل بنهاية للحرب، كما توقف أطفالي عن البكاء عند رؤية صور الأطفال الذين استهدفت القذائف، كما لو أن أطفالي فقدوا الإحساس. أصبحت حياتنا بلا معني، بل و حياة أطفالنا، و أصبحنا جميعاً ننتظر و نتساءل متي سيحين موعدنا.. موعدنا مع الموت، متي ستنضم أسماؤنا إلي القائمة لتصبح مجرد رقم آخر فقط...
و لكننا أملنا بان نموت عائلة واحدة كما عشنا عائلة واحدة حتي لا يتجرع أحدنا مرارة فقدان الآخر.
نجوى الشيخ , مخيم النصيرات
نجوى الشيخ أحمد لاجئة فلسطينية تقيم في مخيم النصيرات مع زوجها وأطفالها الأربعة . وهذه هي إحدى رواياتها الشخصية.