14 ايار 2008
الفلسطينيون في مختلف أنحاء العالم يحيون ذكرى النكبة – ذكرى فقدانهم لوطنهم وهويتهم وكرامتهم وحياتهم. وسيشارك في إحياء هذه الذكرى العديد من البلدان والمؤسسات عبر العالم المهتمة بالمسألة الفلسطينية. إن النكبة بالنسبة لهم ترتبط بالحديث عن معاناة شعب وخسارته لوطنه واستذكار الروايات عن أولئك الذين عايشوا الحدث والذين نزحوا عن منازلهم على أمل أن يعودوا إليها يوماًُ ما.
كوني من فلسطينيي الجيل الثالث، تحمل النكبة معنى مختلفاً لي من ناحية ما يكتنفها من ألم ومعاناة. فأنا على وعي تام بالخسارة الهائلة التي عاناها أجدادي ووالداي عندما نزحوا عن وطنهم في عام 1948، وأنا أعرف كم من المحبط أن يخسر المرء المكان الذي يمده بالأمان والهوية. وكم هو موجع الألم الذي عاناه أجدادي على مدى الأعوام التي عاشوها في المخيمات – حتى وقت وفاتهم – وهم يحملون أمنية واحدة بأن يتمكنوا من رؤية منزلهم من جديد. كما أن أحلام أبي في العودة إلى منزله – والمتماثلة مع أحلام والديه – هي موجعة أيضاً.
ومع ذلك، فالنكبة بالنسبة لي أكثر من أن تنزح عن وطنك وتفقد هويتك. فهي في واقع الأمر لا ترتبط ولو بذكرى واحدة عن هذا الوطن الذي أتى منه أجدادك ووالداك. وليس فيها ما يمكنك قوله لأطفالك عن مذاق الفاكهة في أرضك، وعن رائحة ترابها، وعن الأوقات التي عشتها مع الناس هناك.
إن أجدادي ووالديّ وكل من هم من أجيالهم محظوظون بشكل ما، لمجرد أن كلاً منهم لا زال لديه رواية يرويها – رواية خاصة بهم – حتى وإن كانت هذه الرواية تتحدث عن تجربتهم في النزوح بكل ما يحمله من ألم. وذكرياتهم المشتركة عن المكان الذي كان لهم يوماً ما ساعدتهم على الاستمرار في الحياة ومدتهم بالشجاعة للكفاح ضد الأوضاع الصعبة السائدة. لا أزال أتذكر الروايات التي كان يرويها أجدادي لي عن موطنهم: عن تقاليدهم وجيرانهم وأعراسهم وعن استقبال مواليدهم وحتى عن وداع موتاهم. وكانوا مع كل كلمة يطلقون فيضاً من المشاعر الجياشة ويكسرون ألمهم وفقدانهم ويسترجعون وطنهم بكل نضارته وحيويته وكأنهم لم يغادروه أبداً.
كانت هذه الروايات بمثابة شعاع الأمل الذي يقويهم ويمدهم بسبب للاستمرار في الحياة. وكان إشراك أطفالهم وأحفادهم بهذه الروايات وسيلة يعيدون بها إحياء موطنهم من جديد.
وفي المقابل، أجدني هنا – كلاجئة عاشت حياتها كلها في المخيم – أتساءل ما الروايات التي يمكن أن أرويها لأطفالي. فالروايات التي أملكها تنحصر في حدود هذا المخيم وأزقته الضيقة وقنوات مجاريه التي تفيض في الشتاء وغرفه الصفية المكتظة. لا توجد في رواياتي بساتين وبيارات يمكن أن أسترسل في وصف فاكهتها شكلاً ومذاقاً. ولا توجد في رواياتي مشاهد طبيعية أو أناس بسطاء يعيشون حياتهم يوماً بيوم.
وهذه هي الروايات ذاتها التي سيضطر أطفالي لأن يرووها في المستقبل لأنهم يعيشون الحياة ذاتها التي عاشها والداهم – حياة المخيم. فهم يسيرون في الأزقة الضيقة ذاتها، ويقفزون فوق قنوات المجاري ذاتها لعبور الطريق، ويعيشون الحياة المقيدة والمؤلمة ذاتها التي يعيشها والداهم.
مع أن تجربة النزوح كانت فظيعة بالنسبة لوالديّ وأجدادي، إلا أن الذكريات التي حملوها على مدى الأعوام كانت تخفف من إحساسهم بالفقدان والألم. وكانت ذكرياتهم تساعدهم في إيجاد بقعة مضيئة في حياتهم كلما تاهوا في مشاعر الحزن – وهذه ميزة لن تكون متاحة لا لي ولا لأطفالي، وربما لأحفادي أيضاً.
نجوى الشيخ , مخيم النصيرات
نجوى الشيخ أحمد لاجئة فلسطينية تقيم في مخيم النصيرات مع زوجها وأطفالها الأربعة . وهذه هي إحدى رواياتها الشخصية.