الأستاذ الدكتور محمد توفيق البجيرمي

15 شباط 2010

 

 

 
دمشق ، شباط 2010
  الأستاذ الدكتور محمد توفيق البجيرمي  أصبح الدكتور محمد توفيق البجيرمي ماهراً في إحداث تغييرات جذرية في حياته والإندماج في مجتمعات جديدة. وقد اقتلعت الأحداث السياسية الصاخبة في المنطقة محمد توفيق من وطنه وبيته عدة مرات واجبرته على الرحيل الى بلدان أخرى في المنطقة. وبينما تغمره الآن السعادة بتقاعده عن عمر يناهز إثنين وسبعين عاماً فإن استاذ اللغة الإنجليزية يستعيد ماضيه وقدومه إلى سورية قبل أكثر من أربعين عاماً.
  " لقد عشت حياة كريمة هنا في سورية، كما لقيت معاملة حسنة جداً. فباستطاعة الفلسطينيين تقلد مناصب رفيعة وحياة مهنية لهم هنا ". ولدى محمد توفيق إبنين اثنين وخمس بنات و ثلاثة وعشرين حفيدا وحفيدة. و تنتشر عائلة محمد توفيق البجيرمي كغيرها من عائلات اللاجئين الفلسطينيين الكثيرة عبر عدة قارات في العالم. يقول محمد توفيق : " ابنتاي تعيشان في الولايات المتحدة وأخي يعيش في العراق وبعض أقاربي يعيشون في لبنان ".
  قضى محمد توفيق أولى سنوات حياته في قرية إجزم القريبة من مدينة حيفا. وهو يتذكر بشغف أيامه التي قضاها في قريته الصغيرة، وخصوصاً دروسه في اللغة الانجليزية في المدرسة. " كان هناك تركيز شديد على موضوع تدريس اللغة الانجليزية، فقد كنا ندرسها لفترة تمتد إلى ثماني ساعات أسبوعياً، بينما تم تخصيص ست ساعات فقط لدراسة اللغة العربية". ثم اندلعت حرب 1948 التي قلبت حياته رأساً على عقب. وأُعطي الجيش العراقي الأوامر بينما كان لا يزال في العاشرة من عمره لإجلاء القرويين من مسقط رأسه وطُلب من محمد توفيق وعائلته أن يغادروا وطنهم والاستعداد لرحلتهم إلى بغداد.
  اجتمع انتقال محمد توفيق إلى بغداد مع مستويات حياتية أفضل وفرص أكبر. فهو يقول : " لقد تخرجت من جامعة بغداد وحصلت على شهادة البكالوريوس في اللغة الانجليزية عام 1960 ". وعمل بعد تخرجه مباشرةً مدرساً جامعياً للغة الانجليزية حتى تمت ترقيته ليعمل مترجماً ومحرراً للأخبار  في تلفزيون دولة العراق. " لقد قمت بتدريس الطلاب كيفية ترجمة نشرات الأخبار من اللغة الانجليزية إلى اللغة العربية. وعندما امتلكوا الكفاءة في أداء عملهم تم تسريحي من عملي، فقد كان العراقيون يقبلون بنا كعاملين فقط إذا لم يكن هناك أحد مؤهل للقيام بالعمل. ولم يكونوا يترددون في استبدال فلسطيني بعراقي عندما استطاعوا ذلك".
  كان المناخ السياسي متوتراً في بغداد في ستينيات القرن العشرين. وطُرد محمد توفيق من العراق عام 1964 بسبب الاشتباه فيه على أنه ناصري. يقول : " اصبحت فجأة شخصاً غير مرغوب به ، وكان ضباط الشرطة رفيعي المستوى في ذلك الحين يتمتعون بسلطة تخولهم طرد أي شخص من البلاد على هواهم، وأصدروا لي وثيقة سفر عليها ختم صالح للخروج فقط دون عودة".
   و بعد عدة أشهر من وصوله إلى دمشق التحقت به زوجته و أطفاله في سورية لتبدأ عائلتهم حياة جديدة سوية هناك. و قد أثبت الجو بسرعة في سورية بأنه أكثر ترحيباً باللاجئين الفلسطينيين. و لم يجد محمد توفيق مشكلة في الحصول على عمل، فعمل مدرساً في جامعة دمشق و محرراً للأخبار في شبكة التلفزة التي تديرها الدولة في سورية. و غادر عام 1971 سورية إلى جامعة شيفيلد في إنجلترا لمتابعة دراسته ضمن برنامج للحصول على الدكتوراة في الأدب الإنجليزي. و حصل على شهادة الدكتوراة عام 1980 و تابع مهنة التدريس في جامعة دمشق بالإضافة إلى عمله كمتعاقد مع الأمم المتحدة. يقول محمد توفيق: " عملت مع مكتب الأمم المتحدة في جنيف كمترجم لعدة أسابيع في العام. و كلما طرأ أمر ما كنت أقفز لاغتنام الفرصة ليقيني أنها لابد رابحة. فمشروع ترجمة واحد جمع لي ما يعادل أجر شهور عديدة من الجامعة, فكان ذلك إضافة محمودة إلى مداخيل الجامعة المتواضعة ".
  عمل محمد توفيق في تسعينيات القرن الماضي مترجماً لمكتب الأمم المتحدة في جنيف لمدة تراوحت بين ستة و تسعة أسابيع في العام. كما عمل مترجماً فورياً بين الرئيس الراحل حافظ الأسد و الصحفيين الأجانب عندما كانوا يقابلونه في عدة مناسبات. و خلال الستينيات كان لديه برنامج أسبوعي يُعرَضُ على التلفزيون السوري عنوانه " طرائفٌ من العالم " و مدته 20-25 دقيقة. و قد استمر بث هذا البرنامج حتى شهر آب/أغسطس من العام الفائت و كان له شعبية واسعة في سورية و لبنان و الأردن و فلسطين.
  حصل محمد توفيق على التقاعد من قسم اللغة الإنجليزية في جامعة دمشق قبل تسعة أعوام. و على الرغم من تقاعده فإن جعبته لاتزال مليئة بالأشياء الكثيرة التي يساهم بها في العالم الأكاديمي. فلديه معرفة و بصيرة على مدى حياته يشاطرها مع العالم. و يقول محمد توفيق ضاحكاً : "أخطط لإصدار مطبوعات حول التأثيرات العربية و الإسلامية على الأدبين الإنجليزي و الأميركي, و ربما يتطلب ذلك إنجاز عدة كتب, فالتأثير العربي امتد عبر مئات السنين "! و قد قام فعلاً بترجمة سيرة حياة العديد من الشخصيات و المواضيع في العلوم السياسية من اللغة الإنجليزية إلى العربية؛ بالإضافة إلى ترجمته أعمالاً مهمة في اللغة العربية إلى الإنجليزية كي تصل إلى القرّاء الذين يتكلمون الإنجليزية أيضاً. لذا فإننا بانتظار أعماله بلهفة في العالمين اللذين يتكلمان اللغتين العربية و الإنجليزية.
 
النص من إعداد كارولينا  رومانوف
إقرأ المزيد من  سلسة  قصص بذور النجاح