العودة إلى المدرسة: رحلة إعادة اندماج كرم

11 حزيران 2021
كرم يقدم عرضا أمام صفه بعد عودته إلى المدرسة. الحقوق محفوظة للأونروا، 2021. تصوير محمد الحناوي

الطفل الذي يبلغ من العمر 15 عاما في غزة يكون قد عاش أربعة حروب. لقد لاحظوا الإحباط واليأس لدى الشباب الأكبر سنا بعدة سنوات في احتجاجات مسيرة العودة الكبرى. ويتعين عليهم الآن تجميع شتات حياتهم بعد حرب مروعة استمرت أحد عشر يوما وكل الدمار والمعاناة والصدمات التي تسببها في أعقابها. عندما تقترن هذه بالتأثير الاقتصادي الشديد للحصار الذي دام أربعة عشر عاما، فإن التداعيات النفسية على الأطفال تكون خطيرة. للأسف، فإن إحدى العواقب بالنسبة للعديد من الأطفال تتمثل في الضغط قد قادهم إلى مغادرة المدرسة. تشمل أسباب ذلك أنهم يجدون صعوبة في التعامل مع متطلبات العمل المدرسي، أو أنهم بحاجة للمساعدة في إعالة أسرهم في الأوقات الاقتصادية الصعبة.

كرم أبو معوض واحد من أولئك الأطفال. عندما كان في الثالثة عشرة من عمره، لم يكن يظن أن لديه فرصة للنجاح في الحياة. كان غالبا خارج دائرة مجموعات أقرانه بسبب ضعف السمع، وهو لم يشعر أبدا بالاندماج في الحياة المدرسية العادية. ونظرا لأن أسرة كرم تواجه تحديات اقتصادية وتعتمد على مساعدات الأونروا من أجل البقاء على قيد الحياة، لم يكن كرم قادرا على تحمل تكاليف المعينات السمعية والأجهزة المساعدة الأخرى التي من شأنها أن تسمح له ببناء علاقات مع الطلبة الآخرين. ونتيجة لذلك، تسرب من المدرسة الأمر الذي أثر بشدة على رفاهه العقلي والبدني.

على الرغم من أنهم لا يزالون استثناء في مجتمع يولي اهتماما كبيرا للتعليم، فإن الأطفال مثل كرم الذين لم يعودوا مندمجين في الحضن الآمن للمدرسة ينتهي بهم الأمر بشكل متزايد إلى عمالة الأطفال. وفي الأشهر الثمانية الأولى من عام 2020 مع ظهور الجائحة العالمية، أبلغ مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية عن زيادة بنسبة 52 في المئة في عمالة الأطفال، مقارنة بالفترة نفسها من عام 2019. وفي مجتمع لطالما كان التعليم له قيمة باعتباره جواز سفر للمستقبل، فإن هذه علامة مشؤومة. لقد حصدت الأعمال العدائية الأخيرة في غزة أرواحا بالفعل وهي تهدد الآن بسرقة آفاق مستقبل مشرق لعدد أكبر من الأطفال.

من أجل معالجة الآثار الدائمة للنزاع والضغوط الاقتصادية، تقدم الأونروا الدعم للطلاب الذين يجدون صعوبة في الاستمرار في الذهاب إلى المدرسة - مثل كرم - من خلال مشروعها "العودة إلى المدرسة" - وهو جهد عابر للبرامج تقوده وحدة الحماية في غزة ويتم تمويله من قبل مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية. فمن خلال توفير صفوف التعافي التعليمي، والخدمات النفسية الاجتماعية المنظمة، وإدارة الحالات، وتدخلات حماية الطفل، وكذلك الأجهزة المساعدة والدعم الطبي، فإن الأونروا تستخدم نهجا شموليا من أجل توفير فرصة للأطفال المعرضين للخطر لإعادة الاندماج في المدرسة بعد فترة من الغياب، ومساعدتهم على إيجاد مستقبل أكثر أمانا وواعدا بشكل أكبر. وبفضل هذا المشروع عاد كرم إلى المدرسة وبدأ بالعودة للنهوض.

"اتصل بي السيد حمد [أحد عاملي الحالات في الأونروا] وأوضح لي خطوات المشروع التي من شأنها أن تساعد كرم على استعادة حياته"، يقول والد كرم مضيفا: "لقد ساعدوا في كل شيء. لقد زودوا كرم بالقرطاسية والزي المدرسي والأهم من ذلك جهاز السمع".

بشكل عام، يخدم مشروع العودة إلى المدرسة حوالي 300 طالب ممن، للعديد من الأسباب، غادروا نظام المدرسة التعليمي. من بين أولئك الطلبة هناك مئة فتاة وخمسون طالبا أصيبوا في احتجاجات مسيرة العودة الكبرى وأكثر من خمسين طفلا آخر مثل كرم من ذوي الإعاقات أو الأمراض المزمنة التي تسببت في تركهم للمدرسة. ومن خلال هذا المشروع، تم تزويد أكثر من تسعين طالبا بالأجهزة المساعدة والدعم الطبي، بما في ذلك المعينات السمعية والكراسي المدولبة وحتى العمليات الجراحية التصحيحية. كما تلقى حوالي 120 طالبا الدعم للوصول بشكل أفضل إلى التعلم الرقمي. ومن خلال استخدام نهج مخصص لكل حالة، تمكن المشروع الذي يركز على الطفل والموجه نحو الأسرة من تحقيق معدلات استبقاء دائمة حيث أعيد دمج أكثر من 200 طالب رسميا في النظام التعليمي.

"إن إعادة دمج الأطفال المعرضين للمخاطر في المدرسة يعني النظر حقا في جميع العوامل، وفي جميع المظالم التي تثقل كاهل ذلك الطفل. إنها لا تعني تقديم الخدمات فحسب، بل الالتزام بها: بأنهم لن يتخلفوا عن الركب. يحتاج الطفل إلى معرفة أنهم ومستقبلهم ذو قيمة. إننا نجمع جميع خدمات الأونروا معا في مشروع العودة إلى المدرسة من أجل استجابة متكاملة مصممة خصيصا للطفل، وندعو إلى اتخاذ إجراءات مكرسة لإنهاء عمالة الأطفال"، تقول أمل أبو شوارب، مسؤولة الحماية والحيادية في غزة.

مع استخدام الموارد التكميلية التي يوفرها مشروع "العودة إلى المدرسة"، والتي تشمل دروس اللحاق بالركب للمساعدة في عملية إعادة الاندماج، تحسن التحصيل الأكاديمي لكرم بشكل ملحوظ، وكذلك حسه بالرفاهية. وأوضح والد كرم: "تصرفاته العدوانية أصبحت شيئا من الماضي. لقد كافحت معها كثيرا. كان مليئا بخيبة الأمل والإحباط وترجم ذلك إلى غضب وعنف". والآن، تتلقى عائلة كرم أيضا جلسات دعم تساعدهم على فهم كرم بشكل أفضل وتساعده.

في غزة، يجب أن تعالج تدخلات الأونروا الآن الصدمة المتجددة للحرب وتأثير جائحة كوفيد-19. وستعمل الوكالة على إعطاء الأولوية للأنشطة الصيفية لأكثر من 100,000 طفل، وجمعهم سويا وإعادة اتصالهم ببعض، الأمر الذي سيسمح للعاملين النفسيين الاجتماعيين في الأونروا بمساعدة الفتيات والفتيان على التغلب على تجربتهم المؤلمة الأخيرة وسيوفر لهم إحساسا بالحياة الطبيعية في الوقت الذي يتابعون فيه دراستهم.

بمناسبة اليوم العالمي لمناهضة عمالة الأطفال في السنة الدولية للقضاء على عمالة الأطفال، فإننا نسعى إلى تسليط الضوء على تفاني مجتمع لاجئي فلسطين في التعليم على الرغم من السياقات الصعبة التي يواصلون خلالها المثابرة، إلى أن يتم التوصل إلى حل عادل لمحنتهم. تفخر الأونروا بتقديم الموارد اللازمة لدعم سبل وصولهم إلى التعليم، خاصة في أوقات الصدمات الشديدة وفي سياق الطوارئ، وتنضم الأونروا إلى المجتمع الدولي في الضغط من أجل العمل الآن لتحقيق الهدف الثامن من أهداف التنمية المستدامة وإنهاء عمالة الأطفال. يجب أن يشمل ذلك معالجة تأثير النزاع والقيود المستمرة على حياة الأطفال وأسرهم ومستقبلهم.