الكلفة البشرية لسنوات عشر من النزاع السوري: قصة نهاية

15 آذار 2021
نهاية خلايلي (39 سنة) لاجئة فلسطينية نازحة من سوريا إلى مخيم البداوي شمال لبنان. الحقوق محفوظة للأونروا، 2021

على مدار السنوات العشر الماضية، تعرضت سوريا للدمار جراء نزاع طال أمده عمل على تدمير العديد من الأرواح وتشريد الملايين.

كان لاجئو فلسطين، الذين نزحوا بالفعل، من بين الأشد تضررا من الأزمة. إن كل عملية نزوح نتجت عن النزاع تأتي في أعقاب عملية نزوح سابقة - فقد فر الجيل الأول من لاجئي فلسطين في سوريا في الأصل من شمال فلسطين في عام 1948. وجاء آخرون من مرتفعات الجولان في عام 1967 ومن لبنان في ذروة الحرب الأهلية عام 1982.

هذه قصة نهاية خلايلي، وهي لاجئة فلسطينية شابة كانت قد تزوجت في بداية النزاع. وهي قد أجبرت، مرارا وتكرارا، على الفرار مع عائلتها الصغيرة على أمل العثور على الأمان قبل أن تجد في نهاية المطاف ملاذا في لبنان، مثل العديد من السوريين ولاجئي فلسطين من سوريا الذين هم في وضع مشابه.

 

تشرين الأول 2011

تقول نهاية: "تزوجت في بداية النزاع السوري. تماما مثل كل فتاة، ومع حدث يغير مجرى الحياة كالزواج، لم أفكر أبدا في أن ما سأشهده سيبقى معي لسنوات قادمة". عاشت نهاية في مخيم النيرب للاجئي فلسطين في حلب، لكنها قررت بعد ذلك الانتقال إلى حي زوجها في طريق الباب. في بداية النزاع، تعرضت للإجهاض بسبب الإجهاد وتفاقم حالة الصحة العقلية لديها.

شباط 2012

في أحد الأيام حوالي الساعة الواحدة صباحا، أي بعد حوالي ثلاثة أشهر من زواجها، استيقظت هي وزوجها ليجدا مداخل قريتهما محاصرة من قبل الجماعات المتطرفة. كانت القرية محاطة بالمدفعية مما منع أي شخص من الدخول أو الخروج. حاولوا عدة مرات لكنهم لم يتمكنوا من الفرار. عندما حملت مرة أخرى، فكرت هي وزوجها في رحلة فرار أخرى، لكن الظروف لم تسمح بذلك. وتستذكر نهاية تلك الأيام بالقول: "ذات مرة، عندما حاول جيراننا الفرار، رأيت بأم عيني طفلا في الخامسة من عمره يسقط على الأرض ميتا بعد أن أطلق عليه قناص الرصاص. فشلت المجموعة في الهروب. وقد تم إطلاق النار على الطفل ليكون مثالا لردع العائلات الأخرى عن الهرب".

كانون الثاني 2013

في كانون الثاني 2013، كانت نهاية تستعد لإنجاب طفلها، وكانت تأمل بالوصول إلى جناح الولادة في مدينة حلب الجديدة. لقد تمكنوا من الفرار من قريتهم المحاصرة واستقلوا سيارة أجرة إلى المستشفى، وبتجنبهم الاشتباكات الدامية وتصاعد العنف على طول الطريق، ومن حسن حظهم أنهم بقوا على قيد الحياة. لحسن الحظ، تم ولادة طفلهما بأمان في المستشفى. ولكن للأسف، فإن سائق سيارة الأجرة لم ينج. "لم يعد سائق سيارة الأجرة إلى منزله قط - فقد قتل في طريق العودة برصاص قناص"، تقول نهاية.

شباط 2013

بعد شهر، انتقلت الأسرة الصغيرة إلى مزرعة شامر، وبقيت مع صهرها بعد أن أجبروا على الفرار جراء تصعيد مفاجئ في أعمال العنف في حلب الجديدة. مكثوا في هذا المنزل المؤقت لمدة سبعة أشهر.

أيلول 2013

حاصرت الجماعات المتطرفة مزرعتهم وتم توجيه إنذار نهائي لهم لإخلاء المزرعة، الأمر الذي أدى إلى قيامهم برحلة خطرة من مدينة إلى أخرى بحثا عن المأوى والأمان. في البداية، انتقلوا إلى ليرمون حيث مكثوا ليلة واحدة تعرضت خلالها القرية للقصف. من ليرمون، شجعتهم أختها على البقاء في المنزل الفارغ في حلب الجديدة الذي تركته هي نفسها وراءها عندما فرت إلى لبنان. كان المنزل مجرد ملجأ مؤقتا، حيث طردهم المالك بعد ثلاثة أيام لأنهم لم يتمكنوا من دفع الإيجار. ومع نفاد الخيارات، عادوا إلى طريق الباب ومكثوا مع شقيق زوجها.

تشرين الثاني 2014

على مدى ثلاث سنوات من النزاع، كانت طريق الباب، والتي شهدت تصاعدا في أعمال العنف، تعاني من ندرة في الأطعمة الأساسية، مثل الحليب وحفاضات الأطفال. في ذلك الوقت، تلقت نهاية مكالمة من أقاربها في مخيم النيرب في حلب، يطلبون منها العودة إلى المنزل مع أسرتها. لسوء الحظ، لم تسمح لها الجماعات المتطرفة المسيطرة على المخيم بالدخول لأنها فلسطينية، فاضطرت للعودة إلى طريق الباب مع عائلتها.

كانون الأول 2014

بعد شهر، قام شخص تعرفه بتهريبها إلى المخيم، وبدت الأمور هادئة في البداية. ومع ذلك، بعد شهر واحد فقط، حوصر مخيم النيرب لمدة ثلاثة أشهر. خلال تلك الفترة، تعرضت إلى مواجهة مخيفة عند نقطة تفتيش كان يسيطر عليها متطرفون. وهي تستذكر كيف تم إيقافها عند الحاجز وهي مصطحبة ابنها إلى المستشفى. قام الرجال الذين يسيطرون على الحاجز بإلقاء حفاضات ابنها وحليب الأطفال – الذي هو سلعة نادرة - بالإضافة إلى أغراضها الشخصية واتهموها بإخفاء أشياء باستخدام طفلها كغطاء.

كانون الثاني 2015

أنجبت نهاية طفلها الثاني في حلب الجديدة عن طريق عملية قيصرية. في وقت الولادة، تم قصف المبنى المجاور للمستشفى، مما أجبرها على الانتقال من المستشفى بعد نصف ساعة فقط من ولادة الطفل. "بعد الولادة القيصرية، يجب على الأم البقاء في المستشفى عادة للمراقبة لمدة ثلاثة أيام على الأقل قبل خروجها من المستشفى. بعد فترة وجيزة من إجباري على الفرار من المستشفى، عانيت من عدوى واضطررت إلى المرور بفترة شفاء طويلة وحادة ومؤلمة"، تقول نهاية.

أيلول 2015

في أيلول من ذلك العام، تعرضت نهاية وعائلتها لحادث مروع آخر عندما تم إسقاط طائرة وسقطت أجزاء من حطام الطائرة على المبنى المجاور لها. كما اخترق بعض الحطام منزلها: تحطمت النوافذ والأبواب وكل شيء في الداخل. وقت وقوع الحادث، كان زوجها في العمل وكانت بمفردها في المنزل مع طفلين صغيرين. وتقول نهاية وهي تتذكر الوضع المروع: "لقد أصبت بصدمة ولم أعرف كيف أتعامل مع كلا الطفلين. كنت سأحمل واحدا في ذراعي ثم أفقد قبضتي عليه ويسقط، وسأحاول بشدة التمسك بالطفل الآخر، وأفشل في إمساكهما معا".

حزيران 2016

مع تزايد خطورة الوضع في سوريا للبقاء، قرروا الفرار إلى لبنان، حيث تم اجتماع شملهم مع والديها وإخوتها في مخيم البداوي للاجئي فلسطين.

اليوم

بعد حوالي خمس سنوات من فرارها من النزاع في سوريا، لا تزال نهاية وعائلتها يعيشون في مخيم البداوي في لبنان. سجلت نهاية عائلتها لدى الأونروا، ومثل جميع لاجئي فلسطين من سوريا في لبنان، فهي تتلقى من الوكالة بدلا شهريا للمساعدة في تغطية بعض نفقات المعيشة: “لقد استأجرت منزلا بمساعدة المعونة الشهرية التي تقدمها الأونروا. يجب أن تستمر الحياة، سواء أحببنا ذلك أم لم نحبه"، تقول نهاية.

في غضون ذلك، يواصل أطفالها تعليمهم في مدارس الأونروا في البداوي. وعلى الرغم من أنها تشعر بالحنين إلى منزلها وإلى حياتها قبل الحرب، إلا أنها تمكنت من إعادة بناء شبكة دعم اجتماعي مع جيرانها. "ما زلت أشعر بالخوف عندما أسمع أي ضوضاء عالية. لا أستطيع أن أنسى ما عشته خلال الحرب"، تقول نهاية. إن مخيم البداوي مكان أكثر أمانا لها ولأسرتها.

"أنا هنا منذ خمس سنوات. أعيش حياة مستقرة، لكن قلبي لا يزال هناك [في سوريا]. إن الوضع الاقتصادي المتدهور وغلاء المعيشة - والآن كوفيد-19 - تجعل الحياة في لبنان صعبة للغاية. أصبحت تغطية نفقاتنا المعيشية أمرا في غاية الصعوبة. آمل أن تنتهي الحرب، سنكون قادرين على العودة إلى سوريا وسأكون قادرة على استعادة ذكرياتي الجميلة هناك"، تضيف نهاية.

ونهاية هي واحدة من 27,700 لاجئ فلسطيني نزحوا من سوريا ومسجلين لدى الأونروا في لبنان. وللأسف، فإن قصتها ليست فريدة من نوعها. لقد خلقت الأزمة الإقليمية السورية طبقات متعددة من الصراع والنزوح والصعوبات. في ضوء هذه التحديات وجائحة كوفيد-19، أصبحت الأونروا شريان حياة حقيقي لحوالي 420,000 من لاجئي فلسطين الأشد عرضة للمخاطر في سوريا، بالإضافة إلى لاجئي فلسطين الذين فروا من سوريا إلى لبنان والأردن.

واليوم، فإن 87% من لاجئي فلسطين من سوريا في لبنان يعيشون في فقر مدقع فيما يعيش 11% منهم في حالة فقر مدقع. تقوم الأونروا بدعم لاجئي فلسطين من سوريا في لبنان بمعونات نقدية منتظمة، تشمل 100,000 ليرة لبنانية لكل شخص في الشهر كمعونات نقدية وغذائية، علاوة على معونة نقدية متعددة الأغراض بقيمة 100 دولار لكل أسرة شهريا ومعونة إضافية تدفع لمرة واحدة بقيمة 40 دولارا لكل شخص لمساعدتهم على التأقلم مع الآثار السلبية للأزمة الاجتماعية والاقتصادية وجائحة كوفيد-19. لسوء الحظ، أثرت أزمة التمويل التي عصفت بالأونروا في السنوات القليلة الماضية بشكل كبير على قدرة الوكالة على الاستجابة بشكل مناسب لاحتياجاتهم المهولة، الأمر الذي عرض لاجئي فلسطين للخطر.