"اليرموك هو الماضي والمستقبل بالنسبة لي"

09 تموز 2015
يبلغ ماهر 16 عاما من العمر، وهو واحد من 129 طالبا فلسطينيا لاجئا كانوا قد غادروا ضاحية اليرموك المحاصرة من أجل التقدم لامتحانات الصف التاسع الوطنية والتي عقدت في دمشق. الحقوق محفوظة للأونروا، 2015

في الأسابيع التي كانت تقود إلى امتحانات الصف التاسع في سورية، عانى ماهر إبن الستة عشر ربيعا من الكوابيس. وخلافا للعادة لدى أي طالب، لم يكن ماهرا قلقا حيال الامتحانات بل كان مبعث قلقه هو الوصول لمركز الامتحان. "كل ليلة كنت أحلم بكابوس"، يقول ماهرا مستذكرا "كنا نقف عند نقطة تفتيش للخروج من اليرموك في الوقت الذي تسقط عليه قذيفة هاون. ولم نستطع الوصول للامتحان".

وحيث أنهم كانوا يعيشون في اليرموك، والذي أصبح مرادفا لكلمة المعاناة الإنسانية في النزاع الوحشي في سورية، فقد أتيح المجال لماهر ومعه العديد من الشباب الآخرين في المنطقة لمواصلة تعليمهم. ولا يزال هنالك ما يصل إلى 18,000 مدني في المنطقة التي لا تزال تحت الحصار لما يقارب من عامين. ويعاني السكان من نقص حاد في الغذاء والماء والأدوية والكهرباء؛ ويعتمد العديدون وبشكل حصري على المساعدات الإنسانية التي تقدمها الأونروا والتي لا تصل إليهم إلا بشكل متقطع اعتمادا على توفر سبل الوصول إلى المنطقة.

"اعتاد والدي أن ينتظر عدة ساعات من أجل الحصول على طرد غذائي من الأونروا، فيما كانت والدتي تخرج إلى الحدائق لالتقاط بعض الأعشاب التي تضفي النكهة لوجباتنا"، يقول ماهر مضيفا: "كنت أقوم أيضا بجمع الحطب من الطرقات لكي تتمكن والدتي من الطهي لنا". وفي عام 2014، لم يتم منح الأونروا الإذن بالدخول لتوزيع المعونة إلا خلال 131 يوما من أصل 365 يوم؛ وهذا يعني بالمتوسط 400 سعر حراري في اليوم لكل واحد من السكان، وهو أقل بكثير من الجرعة التي توصي بها الأمم المتحدة والبالغة 2100 سعر حراري في اليوم.

وفي بداية نيسان، تغير الوضع في اليرموك للأسوأ عندما تصاعد العنف مجددا، الأمر الذي عرض أرواح المدنيين إلى مخاطر أكبر. ويخشى ماهر على عائلته وعلى مستقبلها؛ حيث يقول: "إن الوضع في المخيم مرعب لنا. لا يمكننا المخاطرة بمغادرة منازلنا أكثر من مرة أو مرتين في الاسبوع لجمع الطعام والإمدادات اللازمة لنبقى على قيد الحياة". ويضيف ماهر: "من الخطر الخروج خارج المنزل، وفي كل مرة يخرج فيها أحدنا يظل الجميع قلقا عليه طيلة فترة غيابه".

وعلى الرغم من هذه الظروف المفزعة، يظل التعليم أولوية قصوى بالنسبة لمجتمع لاجئي فلسطين في اليرموك. وقد قام المدرسون ومتطوعون من المجتمع بتأسيس مدرستهم الخاصة للتعويض عن الدروس التي فاتت الطلبة. وبدون كهرباء في الليل، فإنه يتوجب على الطلبة أن يجعلوا وقت دراستهم في النهار. "أود أن أعرب عن تقديري للمعلمين الذين تابعوا دراستي خلال العام والذين أعطوني دروسا خاصة"، يقول ماهر.

وفي أيار من العام الجاري، تم التوصل لاتفاقية يتم بموجبها السماح لماهر و 129 طالب آخر من لاجئي فلسطين بالخروج من ضاحية اليرموك المحاصرة في دمشق. وبدعم من الأونروا، منح الطلبة أسبوعين لإكمال امتحانات الصف التاسع الوطنية. وخلال إقامتهم في مدرسة معهد فلسطين التابعة للأونروا، تلقى الطلاب ثلاث وجبات ساخنة في اليوم وحضروا حصصا استدراكية وأتيحت لهم الفرصة للقاء 134 طالبا آخر من طلبة لاجئي فلسطين الذين عادوا إلى سورية من لبنان لإكمال امتحانات المنهاج السوري. "لقد كانت تلك المرة الأولى لي التي أبتعد فيها عن عائلتي لهذه المدة"، يقول ماهر مضيفا "إنني أشتاق إليهم وأشتاق أيضا إلى بيتي".

وبعد الانتهاء من تقديم امتحاناته، كان ماهر مصمما على العودة لليرموك. لقد كان يفتقد عائلته، وهو يؤمن بأن الضاحية سيعاد بناؤها. ومع هذا التصميم برؤية مستقبل مشرق، فإن الشباب من أمثال ماهر سيلعبون دورا حاسما في مستقبل سورية. "آمل أن أعود إلى مخيم اليرموك السابق حيث كنا آمنين كشعب فلسطيني واحد وكعائلة واحدة"، يقول ماهر مضيفا: "إن اليرموك يمثل الماضي والمستقبل بالنسبة لي".