حياة في المنفى

29 تشرين الثاني 2018
 تعتمد خزنة وعائلتها بالكامل على خدمات الأونروا.  مخيم خان دنون ، دمشق ، سورية © صورة للأونروا  2018 ، تصوير تغريد محمد

تعيش خزنة سعيد، أو أم قاسم كما يعرفها جميع من حولها، في أحد المنازل  المتواضعة في مخيم خان دنون في ريف دمشق. وللوصول إلى غرفة الاستقبال في منزلها، يتوجب على الزائر تفادي حبال الغسيل التي تتدلى منها الملابس بألوانها المختلفة.  تؤمن أم قاسم التي ولدت عام 1934 في قرية الزوية التي تبعد 23 كيلومتراً عن مدينة صفد في فلسطين أن السنين لوحدها لم تترك أثراً في حياتها  فقط بل وأيضا ظروف حياتها الصعبة ونزوحها.  إلا أن الأونروا كانت موجودة إلى جانبها لتقدم لها الدعم  أثناء وجودها في المنفى.

 غادرت أم قاسم خوفاً من الأحداث التي كانت  قد وقعت في أجزاء مختلفة من فلسطين عام 1948.  كانت تلك هجرتها الأولى وبداية حياة مليئة بالألم والبؤس والظلم لا يمكن وصفهم.  تقول أم قاسم: "ساق الله تلك الأيام الماضية عندما كنا في منزلنا في الزوية في فلسطين. كنا سعداء ونملك أراضٍ زراعية". وكبقية اللاجئين الفلسطينيين الذين فقدوا منزلهم وسبل معيشتهم نتيجة للعمليات العدوانية في فلسطين، استطاعت أم قاسم أن تواجه معترك الحياة بفضل طبيعة المجتمع الفلسطيني المترابط والمساعدات الغذائية الطارئة التي قدمتها الأونروا. تتنهد أم قاسم قائلة: "كانت حياتنا بسيطة  في ذلك الوقت. لم نأخذ معنا إلا ملابسنا التي كنا نرتديها. احتلت قريتي الزوية المشهورة بمزارعها في أيار 1948. كانت قرية صغيرة يبلغ عدد سكانها حوالي 2000  نسمة".

كانت أم قاسم في الرابعة عشرة من العمر عندما فرت من فلسطين إلى خيام الوليد، وهي قرية فلسطينية  تقع شمال شرق صفد على طول الحدود السورية. لقد قيل لها حينذاك بأنهم سيبقون في خيام الوليد لمدة عشرة أيام فقط حتى يتحسن الوضع. "لن أنسى أبداً يوم اضطررت لمغادرة قريتي. قلت لنفسي إن هجرتي من فلسطين ستكون مؤقتة".  إلا أن قريتها أحرقت. وتعمل الذكريات التي تتوارد إلى ذهنها بإلقاء ظلال على وجهها الذي حفرته السنون. اضطرت أم قاسم إلى الانتقال إلى الجولان بحثاً عن الأمان حيث اضطر سكان خيام الوليد إلى مغادرتها خوفاً من الهجوم العسكري الذي وقع في أيار 1948. وفي الجولان، عملت أم قاسم في المزارع لجمع القطن لتأمين لقمة العيش لأسرتها. 

وبعد الصراع العربي الاسرائيلي في حزيران 1967 قررت أم قاسم وعائلتها البحث عن ملجأ في مكان أكثر أمناً. وكانت تلك بداية رحلة طويلة انتهت في مخيم خان دنون حيث وجدت الأسرة مأوى لها في الخان المهدم في المخيم.  وفي وقت لاحق بنت الأسرة منزلاً لها وحصلت على خدمات الأونروا بما فيها التعليم والصحة والإغاثة. وتقول أم قاسم وهي تستذكر الأيام الماضية: "كنا جزءاً من هذه الأعداد الهائلة من الناس ممن نزحوا إلى أماكن أخرى. كانت هذه الرحلة الثانية التي فرضت علينا على الرغم من أننا لم نسبب الأذى لأحد. غادرت مع عائلتي الجولان في شاحنة متجهة إلى دمشق نحمل معنا أمتعتنا الشخصية وفرشاتنا وبطانياتنا وبعض أدوات المطبخ – وهذا كل ما كنا قادرين على حمله. كانت الحياة صعبة في تلك الأيام. لقد ناضلنا من أجل تغطية نفقاتنا".

أما الآن، أم قاسم تبلغ من العمر 84 عاماً وقد غزا الشيب مفرقها هي أم لثمانية أطفال وربة لهذه الأسرة التي تضم ثلاثة أجيال. لديها أكثر من 30 حفيدا، ولكن حتى أقاربها ليسوا متأكدين من العدد الصحيح لأحفادها. عندما بدأ الصراع في سورية في عام 2011، كانت الأونروا مرة أخرى هناك لدعم أسرة أم قاسم ولتقديم المساعدة الغذائية والنقدية لهذه الأسرة لمساعدتها على البقاء على قيد الحياة.

لقد ناضلت عائلات لاجئي فلسطين التي تتسم بالحيوية والتصميم لأكثر من 70 عاماً للحفاظ على التقاليد  وبناء حياة لأنفسهم وتوفير مستقبل أفضل لأطفالهم أمام الصعاب الهائلة. ولأم قاسم أمنية واحدة هي الذهاب إلى قرية عين التينة المحتلة  في الجولان جنوب غرب سورية لتتمكن من رؤية وطنها فلسطين وتشم رائحته. "أين سنجد في أحد الأيام وطناً حقيقياً؟ هل حكم علينا أن نعيش في المنفى"؟  قالت أم قاسم وعيناها مغرورقتان بالدموع: "إن ما نتمناه جميعا هو أن يحل السلام وأن تنير الشمس طريقنا. فلسطين لا تغيب عن فكري أبداً. فلسطين هي الجمال وكروم العنب والبساتين وبيارات البرتقال وحدائق الخضرة".

أطلقت الأونروا حملة #الكرامة_لا_تقدر_بثمن في غزة بتاريخ 22 كانون الثاني 2018. الحقوق محفوظة للأونروا 2018، تصوير رشدي السراج
قفوا #للاجئي_فلسطين، إنضموا لحملة #الكرامة_لا_تقدر_بثمن