مخاوف وجودية وأمل وتضامن: التأقلم في ظل 30 يوما من الحجر في مخيم عايدة

07 نيسان 2020
عبدالرحمن أبو سرور يحمل أدوية السكري وضغط الدم التي تسلمها من عيادة الأونروا في بيت لحم. الحقوق محفوظة للأونروا، 2020. تصوير يمنى باتل

مر شهر كامل منذ أن تم إغلاق مدينة بيت لحم بسبب تفشي وباء فيروس الكورونا (كوفيد-19) في المدينة الأمر الذي عرض سكان المدينة للعزل، بمن فيهم الآلاف من لاجئي فلسطين. ولم يكن لهذا العزل أن يأتي في وقت أسوأ من هذا الوقت بالنسبة لسكان بيت لحم الذين يعتمدون بشكل كبير على السياحة من أجل كسب معيشتهم. وفي غضون يوم واحد فقط، أصبح الآلاف من الأشخاص عاطلين عن العمل، ولا يدرون من الذي سيعطيهم رواتبهم أو كم من الوقت سيمر قبل أن تعود حياتهم إلى طبيعتها. وشعرت مجتمعات بأكملها، مثل مخيم عايدة للاجئين، على الفور بأثر هذا الإغلاق حيث أصبحت قوتهم العاملة فجأة حبيسة البيوت، وتم إلغاء المدارس وأصبحت الشوارع المفعمة بالحياة خاوية وصامتة.

وبالنسبة لبعض الأشخاص مثل عبدالرحمن أبو سرور الذي يبلغ السادسة والخمسين من العمر، فإن أحد أول الأشياء التي خطرت بباله عندما سمع أخبار تفشي الوباء كانت صحته الخاصة. وكالعديدين من كبار السن من سكان عايدة، كان أبو سرور يعاني من عدد من الظروف الصحية القائمة قبل ذلك مثل السكري وارتفاع ضغط الدم. "نشاهد في الأخبار بأن الفيروس يؤثر بشدة على الأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة، مثلي شخصيا، ولذلك فإن هذا الأمر مقلق للغاية"، يقول أبو سرور.

إلا أنه وعندما شاهد منشورا على الفيسبوك من إبراهيم أبو سرور مدير خدمات المخيم في عايدة يعرض فيه إحضار وصفات علاج الأشخاص من مركز الأونروا الصحي في بيت لحم ومن ثم إعادتهم إلى المخيم، ارتفعت معنويات أبو سرور حسب قوله. "لقد شعرت بالراحة الكبيرة عندما علمت أن إبراهيم سيفعل ما ليس مطلوبا منه من أجل أشخاص مثلي، وذلك كي لا نضطر للخروج من المدينة واحتمالية أن نعرض أنفسنا للفيروس"، يقول أبو سرور مضيفا بأن قرار الأونروا بصرف أدوية شهرين للمنتفعين بدلا من شهر واحد قد كان "مساعدا للغاية".

وبمساعدة الأونروا وموظفيها، بالإضافة إلى العاملين الصحيين في المجتمع المحلي الذين يقومون بإجراء فحوصات تفقدية أسبوعية في المنازل، تمكن أبو سرور من إراحة تفكيره بالرغم من المخاوف المحيطة بجائحة كوفيد-19 المتنامية. "على الرغم من أن الجميع عالق في منزله، ويحاول الابتعاد بنفسه عن الآخرين، إلا أن هذا المجتمع لا يزال يعتني بالأشخاص ممن هم مثلي، وإنني ممتن للغاية لذلك"، يقول أبو سرور.

يقوم محمد لطفي بمساعدة أطفاله أحمد وداليا في أداء واجباتهم المدرسية التي أرسلت إليهم من قبل معلميهم في مدرسة ذكور وإناث الأونروا في مخيم عايدة. الحقوق محفوظة للأونروا، 2020. تصوير يمنى باتل
يقوم محمد لطفي بمساعدة أطفاله أحمد وداليا في أداء واجباتهم المدرسية التي أرسلت إليهم من قبل معلميهم في مدرسة ذكور وإناث الأونروا في مخيم عايدة. الحقوق محفوظة للأونروا، 2020. تصوير يمنى باتل

يقول محمد لطفي الذي يبلغ التاسعة والثلاثين من العمر، وهو أب لأربعة أطفال، بأن بقاءه عالقا في المنزل قد كان تعديلا صعبا على أسرته. "عندما يكون لديك أربعة أطفال وفجأة يتغير روتين حياتك، فإن التعديل يمكن أن يكون أمرا صعبا للغاية"، يقول محمد مضيفا أن هذا صحيح على وجه الخصوص عندما يتعلق الأمر بالدراسة وبالتعلم عن بعد. إن طفلي لطفي الكبيرين، داليا التي تبلغ السابعة من العمر وأحمد الذي يبلغ السادسة، مسجلان في مدرسة الأونروا للذكور والإناث في عايدة. ولولا معلميهم الذين يعملون في الأونروا، يقول لطفي، فإنه لم يكن له أن يعرف كيف يدبر الأمر. "لقد كان معلموهم رائعين خلال هذه الفترة، ويمكنني بكل أمانة أن أقول بأنهم أفضل معلمين في العالم"، يقول لطفي مضيفا بأن فيديوهات الأونروا التعليمية على قناة اليوتيوب قد كانت مصدرا رائعا لأطفاله. وأضاف لطفي: "لقد قام المعلمون أيضا بإرسال الواجبات المدرسية والدروس إلينا عبر خدمة مسنجر على تطبيق الفيسبوك، وهم على تواصل مستمر في حال كان لدى الأطفال أي استفسار"، يقول لطفي مضيفا "نحن ممتنون للجهود التي يبذلها معلمو اطفالي وللأشخاص مثل مدير خدمات مخيمنا إبراهيم أبو سرور الذين يحاولون بالفعل القيام بكل ما في وسعهم بالرغم من قلة التمويل الدولي للأونروا". ويختم لطفي حديثه بالقول: "نأمل بأن ينظر إلينا الأشخاص من مختلف أرجاء العالم كمثال وأن يتبرعوا للأونروا لكي يتكمنوا من الاستمرار بتقديم الخدمات الأساسية التي نحتاجها، وخصوصا في هذا الوقت".

متطوعون من مركز شباب عايدة يقومون بتجميع سلة غذاء لتوزيعها على العائلات المحتاجة في المخيم
متطوعون من مركز شباب عايدة يقومون بتجميع سلة غذاء لتوزيعها على العائلات المحتاجة في المخيم

على الرغم من حالة انعدام اليقين والخوف اللذان يأتيان مع جائحة كوفيد-19، إلا أن الناس في مخيم عايدة لا يزالون يجدون سبيلهم لمساعدة بعضهم البعض ورفع معنوياتهم. ودأبت لجنة الطوارئ التي تم تأسيسها من قبل المجلس المحلي على استخدام مواردها لشراء البضائع المعلبة والخضروات الطازجة والأرز والدقيق والمواد الأساسية الأخرى ووضعها في سلال غذائية يقوم متطوعون شباب من المخيم بتوزيعها على العائلات المحتاجة.

فتيات شابات من المخيم ينسقن الأزهار لتقديمها للنساء في المخيم بمناسبة عيد الأم العربية بتاريخ 21 آذار 2020.
فتيات شابات من المخيم ينسقن الأزهار لتقديمها للنساء في المخيم بمناسبة عيد الأم العربية بتاريخ 21 آذار 2020.

قامت الفتيات الشابات في المخيم بتنظيم حفلات على أسطح المنازل وتشغيل الموسيقى من مكبرات الصوت في المخيم وذلك لرفع معنويات الناس، في الوقت الذي قامت فيه مجموعة من النساء الشابات – مرتديات الكمامات والقفازات – بتوزيع الأزهار على النساء في المخيم احتفالا بعيد الأم. "قد نكون بلا عمل، ونعاني خلال هذه الجائحة، إلا أننا نعرف أن مجتمعنا وجيراننا لن يقوموا بهجرنا أبدا"، تقول ساجدة علان التي تبلغ السادسة والعشرين من العمر مضيفة "الناس خائفون، إلا أننا نعلم بأنه ليس علينا أن نقلق خوفا من أن نجوع".

وقد ولدت ساجدة وترعرعت، كما زوجها أيضا، في مخيم عايدة، وهما الآن يربيان ابنتهما الصغيرة ليا التي تبلغ ستة شهور من العمر في نفس المخيم. لقد انقلبت حياتهم رأسا على عقب عندما وصلت جائحة كوفيد-19 إلى بيت لحم وأدت إلى إغلاق المدينة. "يعمل زوجي مصطفى دليلا سياحيا، ولذلك فإنه إن لم يكن هناك سواح فإنه يكون بلا عمل ونصبح بلا مال"، تقول ساجدة مضيفة "لقد كان الأمر صعبا ومثيرا للقلق بشكل كبير، لأنني تركت عملي بعد أن أنجبت ليا، ومصطفى هو المعيل الرئيس لوالديه وأشقائه وعائلاتهم".

ساجدة علان (26 سنة) وطفلتها ليا التي تبلغ من العمر ستة شهور
ساجدة علان (26 سنة) وطفلتها ليا التي تبلغ من العمر ستة شهور

مثل العديدين من سكان المخيم الذين يعملون في قطاع السياحة والخدمات، كانت ساجدة وزوجها ينتظران بفارغ الصبر قدوم الربيع، والذي يعد ذروة موسم السياحة في بيت لحم. "قمنا مؤخرا بشراء سيارة مستخدمين كامل مدخراتنا، معتقدين أننا سنكون قادرين على تسديد ثمنها بالمال الذي سيجنيه مصطفي هذا الموسم، ولكننا الآن لن نقدر على ذلك"، تقول ساجدة مضيفة "لو كنا نعلم من قبل بأن فيروس الكورونا سيصل إلى أعتاب بابنا لكنا تريثنا حيال هذا الأمر".

وبغض النظر عن القلق والتوتر الذي يعتريها، إلا أن ساجدة تجد الراحة لدى رؤيتها التضامن المجتمعي الذي يسود عايدة، وهي تقول عن ذلك: "كلاجئين من فلسطين، عشنا خلال الكثير من المشقات على مر السنين، ولذلك فنحن بشكل ما معتادون على العيش على القليل وعلى مساعدة الأشخاص من حولنا"، مختتمة حديثها بالقول: "أعتقد أن هذا الفيروس قد أظهر الإنسانية لدى الناس في أرجاء العالم، وخصوصا في عايدة".