إحاطة من المفوض العام للأونروا إلى مجلس الأمن الدولي

31 تموز 2014
An UNRWA historic moment: UNRWA Commissioner-General briefing to the UN Security Council

السيد الرئيس،

اسمحوا لي أن أبدأ بالتعبير عن تقديري الخالص لمجلس الأمن الدولي على هذه الدعوة وتشريفه لي بتقديم إحاطة من مدينة غزة اليوم.

هذه هي زيارتي الثانية لغزة خلال الأزمة الراهنة، وقد أمضيت اليومين الأخيرين في تقييم الوضع على الأرض، ومدى المعاناة الإنسانية، وأحوال عملياتنا التي لا تزال مستمرة في أجزاء عديدة من قطاع غزة في ظل الظروف الرهيبة الناتجة عن الصراع الذي اندلع يوم الثامن من تموز/يوليو. أولاً وقبل كل شيء، أود أن أعرب عن تقديري العميق لموظفي الأونروا الذين يزودون الناس في غزة بشريان إنساني للحياة. فموظفو الأونروا في غزة، الذين يزيد عددهم عن 12,000، يعملون تحت القيادة المميزة بحق لمدير عملياتنا لمد يد المساعدة لأهالي غزة في وقت هم فيه في أمس الحاجة للمساعدة، ويقومون بذلك في ظل ظروف محفوفة بمخاطر عالية. ثمانية من زملائي فقدوا حياتهم منذ أن بدأت أعمال القتال. وتقديراً لهذه التضحية، لا يسعني إلا أن أتقدم بالتعازي الصادقة لعائلاتهم.

وينبغي أن لا أنسى أيضاً أن أشكر بقية أسرة الأمم المتحدة التي تقوم بعمل كبير في التصدي للأبعاد الإنسانية، وكذلك السياسية، للوضع.

منذ وصولي يوم أمس، أصبحت شاهد عيان على الحالة المأساوية التي تكشفت هنا وظهرت مشاهدها على شاشات التلفاز في كافة أنحاء العالم. لقد رأيت الأضرار الواسعة النطاق التي لحقت بأحياء كاملة وأصابت البنية التحتية الأساسية. وشهدت صباح هذا اليوم بشكل خاص التكلفة البشرية الكارثية لهذه الحرب، في جناح طب الأطفال في المستشفى الرئيسي في غزة، حيث الأجساد المهشمة التي تمثل النتيجة الفعلية – وغير المقبولة – لنزاع مسلح يشن باستعمال القوة المفرطة – وغير المتناسبة أحياناً – في أماكن حضرية مزدحمة بالسكان. من بين العديد من الأطفال الممددين في الغرف والممرات، كان هناك يوسف، ابن الشهور الخمسة الذي نجا بالكاد وليس بشكل نهائي بعد من قصف مبنى مدرسة الأونروا في جباليا يوم أمس. أنا نفسي لديّ أطفال، كما هو حال الكثيرين منكم حول مائدة الاجتماع، وما رأيته اليوم من جروح مروعة قد حطمني. أنا أشير إلى الصغير يوسف لأنني أرفض دائماً إغفال الأسماء في حالات الوفاة والإصابة. ففي كثير من الأحيان تشير التقارير الآتية من مناطق الحروب إلى قوائم بالأعداد. ولكن الأطفال الفلسطينيين الذين رأيتهم اليوم ليسوا إحصاءات، ووراء كل وفاة وكل إصابة توجد رواية ويوجد مصير ينبغي احترامه.

في الأمس، تعرضت مدرسة ابتدائية للبنات في جباليا تخدم كمركز مخصص للإيواء الطارئ إلى قصف مدفعي، وأشار تقييمنا إلى أن هذا القصف جاء من طرف الجيش الإسرائيلي. لفقد تم تزويد الجيش الإسرائيلي في 17 مناسبة بموقع المدرسة وإحداثياتها الدقيقة، بما في ذلك إشعارهم بأن المدرسة تأوي أشخاصاً مهجرين. وهؤلاء المهجرون النازحون كانوا قد تلقوا توجيهات من الجيش الإسرائيلي بإخلاء مساكنهم والتماس المأوى في أماكن مثل الأماكن التابعة لنا. أنا أكرر إدانتي لهذا الاعتداء بأشد العبارات، وأؤكد أيضاً على أنه يمثل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، وأدعو لمساءلة مرتكبيه، بما في ذلك أن تسارع إسرائيل إلى إجراء تحقيق شفاف وتطلعنا على نتائجه. نحن منخرطون في حوار متواصل مع إسرائيل بشأن هذه المسألة.

من خلال حديثي مع العديد من سكان غزة يوم أمس واليوم، سمعت الرسائل ذاتها مرة بعد مرة. هم يقولون: "إذا لم نكن آمنين في مدرسة للأونروا، فلن نكون آمنين في أي مكان في غزة". ويضيفون: "العالم يخذلنا، ويخفق في حمايتنا. لا نريد أن نسمع بعد اليوم أي حديث عن حماية المدنيين".

أنا كذلك أدعو كل الأطراف إلى احترام حرمة مباني الأمم المتحدة وممارسة أعلى درجات الحرص في إجراء العمليات العسكرية التي تؤثر في المدنيين في هذه المنطقة. وما يجعل هذا النداء أكثر إلحاحاً واقع أن الاعتداء على مركز الإيواء في جباليا قد جاء بعد ستة أيام فقط من القصف الذي تعرض له مركز مخصص للإيواء الطارئ تابع للأونروا في بيت حانون، والذي تسبب بمقتل وإصابة العديد من الأشخاص المهجرين الملتمسين للمأوى هناك.

نحن نواجه تحدياً آخر في مجال عملنا وأود أن ألفت الانتباه إليه. في ثلاث مناسبات وجدنا في مرافق فارغة تابعة للأونروا صواريخ تخص جماعات مسلحة في غزة. وقد قمنا على الفور بتنبيه جميع الأطراف المعنية إلى جودها، وشجبنا بشدة وضع أسلحة في مدارسنا. وتعمل الأونروا الآن مع الشركاء من الأمم المتحدة لتحسين الإجراءات للتصدي لمثل هذه الانتهاكات بطريقة لا تهدد سلامة الموظفين أو المدنيين، بمن فيهم المستفيدين من خدمات الأونروا.

ينبغي كذلك القول أن العثور على هذه الصواريخ لا يعد بأي شكل من الأشكال مبرراً للهجوم على مرافق الأونروا ولا سيما تلك التي تأوي المهجرين داخلياً. وتتخذ الأونروا تدابير حثيثة لإجراء مراقبة وثيقة لجميع مرافقها التي تستطيع الوصول إليها سعياً للحيلولة دون إساءة استخدامها بواسطة المقاتلين والأطراف الأخرى.

أعضاء المجلس المحترمين،

اسمحوا لي أن أنتقل إلى التحدي الأصعب الذي يواجه الأونروا في غزة اليوم. نحن نستضيف حالياً أكثر من 220,000 شخص مهجر داخلياً، وهذا العدد ظل يتزايد مع كل يوم من أيام الصراع، وبوتيرة متسارعة في الأسبوع الأخير. هذا العدد يبلغ أربعة أضعاف الحد الأقصى الذي بلغه عدد المهجرين خلال النزاع في سنة 2008-2009. وأنا لا أشير هنا إلى عشرات الآلاف من المهجرين في غزة الذين اتخذوا مأوى مؤقتاً لدى عائلات مضيفة، بل أشير فقط إلى أولئك المسجلين في مدارس الأونروا.

نحن نفعل كل ما هو ممكن لتزويد المهجرين بالحد الأدنى من الاحتياجات، كالغذاء والمرتبات والبطانيات. ولكننا الآن ندخل في الأسبوع الرابع من تهجير جماعي واسع النطاق، مع العلم أن المرافق غير مجهزة لإيواء أعداد كبيرة من الناس لمثل هذه الفترة الزمنية. إن الأوضاع في مراكز الإيواء تزداد صعوبة، فلا تتوفر المياه اللازمة للنظافة، ومرافق الاستحمام والمراحيض المتوفرة قليلة جداً ولا تفي بالغرض بتاتاً. وقد بدأ تفشي الأمراض بين المقيمين في المرافق، على شكل عدوى جلدية وداء الجرب وغيره. كما أن هناك الآلاف من النساء الحوامل في مدارسنا، وتتم الولادات في ظروف محفوفة بالخطر، ونحن نأوي أطفالاً حديثي الولادة في مثل هذه الأوضاع المروعة. هذا في حين أن قدرتنا على تخفيف هذا الوضع تتقيد بشدة بطبيعة الحال نتيجة استمرار الأعمال القتالية.

نحن نشعر بقلق بالغ إزاء هذا الوضع. ونشعر كذلك بقلق بالغ إزاء احتمال حدوث أي تهجير إضافي يزيد في أعداد الملتجئين إلى مراكز الإيواء لدينا. فقد تجاوزنا الحد الأعلى الذين يمكننا استيعابه، حيث يقيم ما يصل إلى 2,500 شخص مهجر في المدرسة الواحدة، بواقع 80 شخصاً بالمتوسط في كل غرفة صفية. لذلك تلقيت بقلق أنباءً عن توجيهات جديدة من الجيش الإسرائيلي إلى الفلسطينيين لإخلاء منطقة الزيتون في مدينة غزة، ومناطق أخرى في جوار خان يونس.

بالنظر إلى هذه الحقائق، وبالنظر إلى تعرض مدارس الأونروا للقصف في ست مناسبات، فإنني أرى أن السكان يقفون على شفا هاوية، وأناشد المجتمع الدولي لأن يتخذ الخطوات الضرورية لمعالجة هذا الوضع البالغ الخطورة. وفيما إذا حدث المزيد من التهجير على نطاق واسع، فسيكون على دولة الاحتلال، وفقاً للقانون الإنساني الدولي، أن تتحمل المسؤولية المباشرة عن مساعدة هؤلاء الأشخاص.

أعضاء المجلس المحترمين،

إن الواقع الجديد الذي يتبلور أمام أعيننا في الأرض الفلسطينية المحتلة وإسرائيل ليس بالمستدام تحت أي ظرف كان. فالتكلفة الإنسانية والسياسية تتنامى يوماً بعد يوم مع كل وفاة وإصابة، ومع استمرار تدمير البنية التحتية الضرورية لحياة السكان الفلسطينيين في غزة، ومع استمرار انتهاكات القانون الدولي. وكما سبق وأن صرحت في زيارات سابقة إلى غزة، إن إطلاق الصواريخ على المدن الإسرائيلية وتعريض المدنيين الإسرائيليين للخطر أمر غير مقبول ويجب أن يتوقف.

نحن جميعنا نتطلع لرؤية شرق أوسط تتشاطر شعوبه بمصالحها المشتركة، ويكون لكل منها دور في رفاه الأخرى، وتتشارك بالالتزام بالسلام والعدالة والأمن للجميع في المنطقة، كما قال الأمين العام مؤخراً. ولا يمكن أن يحدث ذلك في ظروف الاحتلال العسكري وتلك الظروف الناجمة عن الصراع المرير والآخذة في التكشف الآن. لقد آن الأوان منذ وقت لأن يتم الاتفاق بين جميع الأطراف على وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار، على نحو ما نادى به المجلس في بيانه الأخير.

اسمحوا لي كذلك أن أضيف صوتي إلى الأصوات التي تطالب بمعالجة الظروف الكامنة التي تؤجج سعير هذا النزاع والعنف الذي يكرر نفسه بجلاء أمام أنظار العالم. بعبارة أخرى، إن وقف إطلاق النار ضروري بشكل فوري من أجل إنقاذ الأرواح، ولكنه لا يكفي. فليس من الممكن تصور أن نرجع ببساطة إلى الوضع الذي كان قائماً قبل هذا النزاع. وعلى الرغم من الاعتبارات الأمنية المشروعة لدى إسرائيل، إلا أنه ينبغي رفع الحصار غير الشرعي المفروض على غزة. ففي هذه المنطقة الصغيرة يعيش 1.8 مليون شخص وهم يواجهون إمكانية أن يصبح القطاع منطقة غير قابلة للعيش في غضون عدة سنوات فحسب، ما لم يتخذ المجتمع الدولي خطوات عاجلة لتمكين عملية التنمية في غزة وضمان الأمن للجميع في المنطقة.

إن الأونروا وفية لواجبها، وستظل ثابتة في التزامها وفي عملياتها، سواءً خلال هذه الطوارئ المريعة أو في مرحلة الإنعاش بعد أن يتوقف القتال. ولكن سيلزم بذل أكثر من ذلك بكثير من أجل ضمان السلام الدائم والاستقرار في المنطقة.

شكراً لكم، سيدي الرئيس

معلومات عامة :

تواجه الأونروا طلبا متزايدا على خدماتها بسبب زيادة عدد لاجئي فلسطين المسجلين ودرجة هشاشة الأوضاع التي يعيشونها وفقرهم المتفاقم. ويتم تمويل الأونروا بشكل كامل تقريبا من خلال التبرعات الطوعية فيما لم يقم الدعم المالي بمواكبة مستوى النمو في الاحتياجات. ونتيجة لذلك فإن الموازنة البرامجية للأونروا، والتي تعمل على دعم تقديم الخدمات الرئيسة، تعاني من عجز كبير. وتدعو الأونروا كافة الدول الأعضاء للعمل بشكل جماعي وبذل كافة الجهود الممكنة لتمويل موازنة الوكالة بالكامل. ويتم تمويل برامج الأونروا الطارئة والمشروعات الرئيسة، والتي تعاني أيضا من عجز كبير، عبر بوابات تمويل منفصلة.

تأسست الأونروا كوكالة تابعة للأمم المتحدة بقرار من الجمعية العامة في عام 1949، وتم تفويضها بتقديم المساعدة والحماية لحوالي خمسة ملايين وأربعمائة ألف لاجئ من فلسطين مسجلين لديها. وتقتضي مهمتها بتقديم المساعدة للاجئي فلسطين في الأردن ولبنان وسورية والضفة الغربية وقطاع غزة ليتمكنوا من تحقيق كامل إمكاناتهم في مجال التنمية البشرية وذلك إلى أن يتم التوصل لحل عادل ودائم لمحنتهم. وتشتمل خدمات الأونروا على التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية وتحسين المخيمات والحماية والإقراض الصغير.

للمزيد من المعلومات، يرجى الاتصال ب:

سامي مشعشع
الناطق الرسمي للأونروا
خلوي: 
+972 (0)54 216 8295
مكتب: 
+972 (0)2 589 0724
أطلقت الأونروا حملة #الكرامة_لا_تقدر_بثمن في غزة بتاريخ 22 كانون الثاني 2018. الحقوق محفوظة للأونروا 2018، تصوير رشدي السراج
قفوا #للاجئي_فلسطين، إنضموا لحملة #الكرامة_لا_تقدر_بثمن