الخطاب الافتتاحي للمفوض العام للأونروا بيير كرينبول في اجتماع اللجنة الاستشارية

17 تشرين الثاني 2014
علاء غوشة/أرشيف الأونروا

اجتماع اللجنة الاستشارية , 17 تشرين الثاني 2014


 

السيد الرئيس، السيد نائب الرئيس، المندوبون الموقرون، الزميلات والزملاء،

أود أن أبدأ بتقديم الشكر لمعالي السيد محمد(تيسير) بني ياسين أمين عام وزارة خارجية المملكة الأردنية الهاشمية لاستقبالنا هنا ولاستضافته هذا الاجتماع. وأود أيضا أن أشكر رئيس اللجنة الاستشارية معالي السيد بير أورنيوس من السويد ونائب الرئيس السيد علي مصطفى من الجمهورية العربية السورية. والتقدير موصول أيضا للسيدة سيغولين آدم من سويسرا التي قامت وبكل اقتدار بقيادة اللجنة الفرعية بدعم من المملكة الأردنية الهاشمية والولايات المتحدة الأمريكية.

إنه لمن دواعي سروري أن أتحدث إليكم مرة أخرى. منذ اجتماعنا الأخير في حزيران، أتيحت لي الفرص لأن أدخل في نقاشات مثمرة حول مجموعة واسعة من القضايا مع العديدين منكم: بلدان مضيفة وجهات مانحة راسخة وشركاء جدد. ويسرني أن أرى أن علاقتنا القوية والتعاونية مستمرة بالنمو. إن هذا أمر أنا ملتزم به للغاية، كما ويسرني أيضا أن أرحب بوكيل وزارة التنمية والتعاون الدولي في  دولة الإمارات العربية المتحدة سعادة هزاع القحطاني في اجتماعنا. إننا نتطلع قدما لانضمام الإمارات – إلى جانب البرازيل الممثلة هي الأخرى اليوم معنا بشخص السفير باولو فرانسا وقطر ممثلة بالسيد عبدالله الدهام– إلى اللجنة.

وفي الوقت الذي أبدأ فيه خطابي، اسمحوا لي أن أؤكد على عميق تأثري شخصيا وبصفتي الرسمية كمفوض عام بفقدان العديد من الزملاء الذين خسرناهم في الأشهر والسنوات الأخيرة. وأود أن أشيد بالزملاء الأربعة عشر الذين قتلوا في سورية منذ بدء النزاع في عام 2011 – وهنالك 24 زميلا آخر في عداد المفقودين أيضا – وبالزملاء الأحد عشر الذين قتلوا في غزة هذا الصيف إلى جانب زميل آخر قتل في الضفة الغربية في عام 2013. إنني لن أتعود أبدا على مثل هذه الخسائر ولن أنسى اللقاءات التي جمعتني بالعديد من عائلاتهم.

واسمحوا لي أيضا أن أعلمكم بالتغييرات التي حدثت والتي ستطال فريقي في القيادة العليا. وأول تلك التغييرات ستشمل زميلة كان وجودها لا يقدر بثمن في الفترة التي كنت أتعرف فيها على الوكالة. وإنني بطبيعة الحال أعني نائب المفوض العام السيدة مارغوت إيليس. مارغوت، إن هذا هو الاجتماع الأخير للجنة الاستشارية للأونروا الذي ستكونين فيه، وإنني أود أن أنتهز هذه الفرصة لأشكرك شخصيا على خدمتك الرائعة وعلى دعمك الممتاز والسخي لي. إننا سنفتقد بحق روحك الإيجابية وخبراتك. وأيضا، فقد غادرنا منذ وقت قصير كل من آنا سيغال المدير السابق لدائرة الشؤون القانونية وآن ديسمور المدير السابق لشؤون الأونروا في لبنان. وأيضا، فإن كلا من سالفاتوري لومباردو مدير العلاقات الخارجية والاتصال وبيتر فورد كبير المسؤولين التنفيذيين لجمع التبرعات والممثل الخاص لي لدى الدول العربية سيقومان بمغادرتنا قريبا. لقد كان لكليهما دور فعال في أن تكون الأونروا على ما هي عليه الآن من حيث العلاقات مع مجتمع المانحين والدعم الذي نحصل عليه من ذلك المجتمع. سالفو وبيتر، إننا سنفتقدكم بشدة، وإنني ألتزم من هذا المنبر بضمان استمرارية الروح والطاقة اللتان أظهرتماها خلال سنوات وجودكما مع الأونروا.

وقت للأمل

السيدات والسادة،

في اجتماعنا الأخير، وصفت وضع مجتمعات لاجئي فلسطين بأنه وضع لا يمكن تحمله. ومنذ ذلك الحين، فقد أصبحت الاتجاهات أكثر قتامة. إن الضغوط على الفلسطينيين وعلى لاجئي فلسطين ضغوط هائلة والتهديدات التي تتعرض لها حياتهم أو سبل معيشتهم أو مستقبلهم هي من الضخامة بحيث أن هنالك حاجة للأمل في مكان ما في الأفق. إن الأمل – في هذه المنطقة التي تعاني من عدم الاستقرار أكثر من غيرها – لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال فعل سياسي حازم، وينبغي أن يتم ذلك.

وفي منتصف طريق العقد السابع من عمر تأسيسها وعملها، تعد الأونروا مثالا لما يمكن فعله ولما تم تحقيقه بطرق عدة للاجئي فلسطين خلال هذه الفترة، ولكنها أيضا تذكرة حية لما يحدث عندما لا يتم إيجاد حلول سياسية لمعالجة الأسباب الكامنة وراء ظلم تاريخي.

طوال خطابي هذا ستسمعون تأكيدا – إن كانت هناك حاجة له – على الالتزام العميق للأونروا بخدمة مجتمعات لاجئي فلسطين اليوم وفي المستقبل، بما يتفق مع الولاية والدور والمسؤوليات التي تم منحنا إياها من قبل المجتمع الدولي، وتحديدا الجمعية العامة للأمم المتحدة. وستسمعون أيضا أننا نجد من المستحيل، عاما بعد آخر، أن نقبل الفشل في حل القضايا الأساسية للاحتلال والحصار والنزاعات التي تؤثر بشكل شديد على لاجئي فلسطين.

وإنني أدعو هنا إلى قيادة سياسية منظمة وحازمة من قبل المجتمع الدولي حيال هذا الأمر. وإنني أفعل هذا لأننا من بين الذين هم في أفضل الأماكن ليشاهدوا ويسلطوا الضوء يوميا على العواقب والتكاليف الإنسانية التي تترتب على الإنكار المستمر لكرامة وحقوق لاجئي فلسطين. وفي هذا الصدد، فإنني مقتنع بأنه من مسؤوليتنا على حد سواء بأن نقوم بتقديم الخدمات للاجئين وأن نكسب التأييد من أجل نهاية لهذا الواقع الذي لا يحتمل.

وإنني أفعل ذلك أيضا لأنه وخلال الأشهر الأولى لي في منصبي، فلقد أصبحت على وعي متزايد بقضية أعتقد أن حتى مؤيدينا الأطول عمرا ومعظمكم في هذه الغرفة قد يقللون من أهميتها، وهي أن الأونروا – بدعمكم – قد حققت واحدة من أكثر العمليات أهمية في تنمية رأس المال البشري في دول العالم النامي، وتحديدا في مجالات الصحة والتعليم، وذلك وفقا لما أكد عليه مجددا تقرير صدر مؤخرا عن البنك الدولي.

لقد استثمر الفلسطينيون دوما وبشكل كبير في التعليم، وهو أمر كانت الأونروا قادرة على بناءه وتوسعته. وإنني كثيرا ما أسمع تعليقات حول العبء الملقى على عاتق الجهات المانحة في الاستمرار بمساعدة عدد متزايد على الدوام من لاجئي فلسطين، بينما في الواقع الفعلي أنكم قمتم من خلال الأونروا بالمساعدة في استثمار كبير في المعرفة والمهارات وأنه ينبغي عليكم أن تأخذوا المزيد من الفضل في هذا الإنجاز المتميز.

هنالك العديد من البلدان النامية ومتوسطة الدخل تحسد الفلسطينيين على جودة رأس مالهم البشري. وكما نعلم فإن هنالك أمرا واحدا لدى الآخرين يحسدهم الفلسطينيون عليه، ألا وهو حقيقة أن لهم دولة. إن إنشاء دولة فلسطينية – تعيش إلى جانب إسرائيل وتتعايش معها – قد يكون واحدا من التدابير الحاسمة لاستدامة هذه العملية التنموية التي استمرت لعقود طويلة.

مسح الاتجاهات في المنطقة وفي أقاليم العمليات

اسمحوا لي الآن أن أستعرض بعض الأحداث والتغيرات التي حدثت منذ اجتماعنا الأخير في حزيران. وحيث أن مديري العمليات في الأقاليم سيستعرضون أماكم أحدث المستجدات في الجلسة القادمة، فإنني سأقوم بالتركيز على محددات رئيسة قليلة فقط.

بادئ ذي بدء، فإن حال عدم الاستقرار والتطرف الذي آل إليه الوضع في الشرق الأوسط على نطاق واسع لهو بطبيعة الحال أمر لافت للنظر. وإننا ندرك بعمق أن البلدان المضيفة والعديد من البلدان الأخرى تفكر بهذا الأمر وغالبا ما يكون محور اهتمامهم. وإنني أفكر هنا على وجه التحديد بالتطورات في العراق وسورية والتي اشتدت حدتها منذ الصيف، وذلك يشمل الدور والعمليات التي تقوم بها داعش.

وبعد التركيز القوي على فلسطين في هذا الصيف، فإن هنالك خطر حقيقي بأن تتحول دائرة الاهتمام مرة أخرى إلى عدد من الأزمات الأخرى في العالم وبأن تصبح مجددا مسألة لفت الانتباه إلى مصير لاجئي فلسطين تنطوي على تحديات. إننا نقوم ببذل جهود حثيثة كي لا يحدث هذا لأننا نعلم أنها مخاطرة لا يستطيع العالم أن يقوم بها.

سورية

في سورية، لا تزال آثار النزاع كارثية على السوريين وعلى لاجئي فلسطين على حد سواء. ويستمر القتال بشراسة في العديد من الأماكن وتبقى أنماط العنف ضد المدنيين الذي غالبا ما يكون عشوائيا ومتعمدا أمرا بالغ الحساسية. إن أكثر من 60% من لاجئي فلسطين قد أصبحوا الآن نازحين أو لاجئين للمرة الثانية في لبنان أو في سورية، وفي تركيا أو في مصر. ورغم ذلك، فإن الهرب من النزاع قد أصبح أكثر صعوبة مع الأيام حيث أن الحدود يتم إغلاقها مما يجبر اللاجئين على سلوك طرق خطيرة بشكل متزايد تمر عبر المناطق التي تسيطر عليها داعش أو عبر البحر المتوسط، وذلك في محاولتهم مع العديد من الآخرين للوصول إلى أوروبا.

ولا يزال اليرموك مثالا على الكيفية التي يعاني فيها المدنيون من النزاع الذي لا يزال بدون حل. إن هنالك 18,000 مدني لا يزالون محاصرين ويعيشون في حالة من الجوع والبرد والخوف الدائم. والأونروا تقدر التسهيلات التي تقدمها السلطات السورية والتي تجعل بالإمكان القيام بتوزيع الغذاء وبعض المواد الإنسانية الأخرى. إلا أنه ومنذ الصيف الحالي، كان هنالك انخفاضا ملحوظا عما كانت الوكالة قادرة على جلبه إلى اليرموك. وهنالك المزيد مما ينبغي فعله من حيث المساعدة والحماية لسكان اليرموك، وهو الأمر الذي نستمر بإثارته بشكل صريح مع السلطات السورية.

وفي سورية، هنالك 76 مدرسة – أكثر من الثلثين – أصبحت غير قابلة للاستعمال. ومعظم تلك المدارس أصبحت كذلك لأنها تعرضت لأضرار بسبب النزاع أو لأنها الآن تقع في أماكن ينطوي الوصول إليها على خطر كبير. وتستخدم 15 من هذه المدارس الآن كملاجئ جماعية تأوي 6,106 شخصا إلى جانب مركز تدريب دمشق ومنشأت أخرى تابعة للأونروا. إن المدارس الواقعة في محيط القتال تعد مثالا دراماتيكيا للتجاهل السافر لحرمة حياة المدنيين الذي تظهره أطراف النزاع والذي ينبغي أن تتم إدانته.

لبنان والأردن

لا يزال كل من لبنان والأردن يدفعان ثمنا باهظا جراء عدم الاستقرار الإقليمي والنزاع في سورية على وجه التحديد. ونحن نقوم باستغلال كل فرصة تسنح لنا لنثني على حسن ضيافتهما ولنؤكد على الحاجة لأن يقوم المجتمع الدولي بدعم هذان البلدان.

ففي لبنان، يعيش 400,000 لاجئ فلسطيني في ظروف اقتصادية واجتماعية غالبا ما تتصف بأنها صعبة للغاية، والعديدون منهم يعيشون في مخيمات مكتظة للاجئين. وعلاوة على ذلك، فإن ما يقارب من 44,000 لاجئ فلسطيني من سورية قد فروا إلى لبنان، جميعهم تقريبا تقوم الأونروا بمساعدتهم في الحصول على الرعاية الصحية والغذاء والخدمات التعليمية. وتؤمن الأونرا بأنه ينبغي أن يستمر السماح بدخول لاجئي فلسطين من سورية إلى لبنان، وعلى وجه الخصوص أولئك الذين هم بحاجة إلى معالجة طبية متخصصة وأولئك الذين يسعون للم شمل عائلاتهم. وفي هذا السياق، فقد قمنا بالترحيب بالأنباء التي أعلنت في أيلول الماضي والتي تفيد بأن لاجئي فلسطين يمكنهم تجديد تأشيراتهم لمدة ثلاثة شهور، حتى ولو أن إقامتهم في لبنان كانت غير منتظمة. ودعونا لا ننسى مجتعا آخر للنازحين لا يزال بحاجة إلى مساعدة عاجلة في لبنان – ألا وهم اللاجئون الباقون من مخيم نهر البارد والذين لا يزالون ينتظرون أن تتم إعادة إسكانهم.

وفي الأردن، الذي يستضيف من لاجئي فلسطين المسجلين عددا أكبر من أي بلد آخر، ووصل عددهم إلى مليوني لاجئ، فإن العديدين من مجتمع اللاجئين هذا كانوا قادرين على تأمين سبيل العيش؛ فيما يواجه آخرون مصاعب اقتصادية واجتماعية. ويظل دور الأونروا مهما للتنمية البشرية للاجئين بشكل عام، وللاجئين الأشد عرضة للمخاطر بوجه خاص. كما أن الأردن يستضيف أيضا أكثر من 14,000 لاجئ فلسطيني من سورية تتم مساعدتهم من قبل الأونروا. وينبغي أن يتم السماح لهم بالبقاء إلى أن ينجلي النزاع وتتحسن ظروف عودتهم إلى سورية.

واسمحوا لي هنا أن أقول بأنه يمكن القيام بعمل المزيد في لبنان والأردن من أجل منع وصم لاجئي فلسطين. وفي هذا السياق، فإنني أود أن أشير إلى أن الظروف بالنسبة للفلسطينيين الذين يصلون إلى مصر من سورية قد بدأت تصبح صعبة بشكل متزايد. إن هذه مسألة تقوم الأونروا بشكل منتظم بإشراك السلطات المصرية فيها. ونحن ممتنون لاستعداد مصر لمناقشة هذه القضايا معنا.

فلسطين – الضفة الغربية

وعودة إلى الضفة الغربية، فإن وضع لاجئي فلسطين الذين يبلغ عددهم 750,000 لاجئ قد أصبح أسوأ هو أيضا. لقد شهدنا ارتفاعا حادا في عدد اللاجئين الذين يتعرضون للقتل والإصابة بجراح في عمليات تقوم بها القوات الأمنية الإسرائيلية والتي تشتمل على استخدام الذخيرة الحية. ففي الشهر الماضي لوحده وقعت 19 إصابة، وهو رقم أعلى بثلاثة أضعاف ما تم تسجيله في عام 2013 بأكمله. كما كانت هناك زيادة بمقدار 50% في عدد لاجئي فلسطين الذين قتلوا مقارنة بالعام الماضي.

إن الأونروا تشعر بالقلق حيال التهجير القسري الذي يهدد ما يقارب من 7,000 شخص في حوالي 45 منطقة سكنية بما في ذلك منطقة (ه1) الحساسة. إن التهجير القسري للأشخاص من الأراضي الواقعة تحت الاحتلال قد يشكل انتهاكا للقانون الإنساني الدولي. إن العديد من أولئك البدو مسجلون لدى الأونروا كلاجئين.

وبالإجمال، فإن الظروف الاجتماعية الاقتصادية في الضفة الغربية بما في ذلك القدس الشرقية تستمر بالتدهور بالنسبة للاجئي فلسطين، مع وجود القيود الإسرائيلية الممنهجة على حركة الفلسطينيين وعلى سلوكهم التجاري الأمر الذي يتسبب باستشراء الفقر وتفشي البطالة بما في ذلك في مخيمات اللاجئين البالغ عددها 19 مخيما. وهنالك 90,000 لاجئ فلسطيني يعيشون ضمن حدود الجدار العازل في القدس وحواليها. وهؤلاء هم من ضمن الأشخاص الأشد فقرا الذين نقدم المساعدة لهم، وهم معزولون عن باقي الضفة الغربية. إن الضغوطات الناجمة عن المزيد من بناء المستوطنات غير الشرعية والأحداث الأخيرة في القدس نفسها قد أثارت شبحا خطيرا من اتساع رقعة انعدام الأمن والعنف الأمر الذي يعمل على زيادة تفاقم الوضع.

فلسطين – غزة

وفي غزة اليوم، فإن لاجئي فلسطين وغير اللاجئين على حد سواء قد خرجوا لتوهم من اختبار عنف ودمار غير مسبوقين خلال النزاع الذي دام 50 يوما في تموز وآب. إن أكثر من 1,500 مدني في غزة، بمن في ذلك 538 طفلا و 306 امرأة قد قتلوا. وأصبح حوالي 1,500 طفل يتامى فيما أصيب 11,000 شخص بجراح بمن فيهم 1,000 طفل سيعيشون ما تبقى من حياتهم وهم يعانون من إعاقات دائمة. كما تعرض أيضا خمسة مدنيين في إسرائيل للقتل.

إن العديدين منكم قد قاموا في هذه الأثناء بزيارة قطاع غزة وشاهدتم بأم أعينكم الدمار الهائل - الذي خلف وراءه 110,000 شخص بلا مأوى – وفقدان سبل المعيشة والأعمال. وفي ذروة الأزمة قام ما يقارب من ثلث عدد سكان غزة  بالفرار من منازلهم، وعملت الأونروا لوحدها على إيواء ومساعدة ما يقارب من 300,000 شخص نازح في 90 مدرسة تابعة لنا. واليوم، فإن حوالي 27,000 شخص لا يزالون يلتجئون في 18 مدرسة تابعة للأونروا.

وقد تأثرت الأونروا بسبع ضربات بالذخيرة تم إطلاقها على مدارسها، ثلاث منها كان لها عواقب مميتة وتسببت بمقتل أكثر من 42 شخص وبإصابة حوالي 200 شخص آخر بجراح متعددة. وقد قمنا وبلا تحفظ بالتنديد بتلك الهجمات على منشآت الأمم المتحدة والتي شكلت انتهاكات للقانون الدولي من قبل إسرائيل مثلما طالبنا بإجراء تحقيقات وبإيقاع المساءلة، وهي دعوة أعيد تكرارها اليوم. كما قمنا أيضا باكتشاف مكونات أسلحة مخبأة من قبل جماعات فلسطينية في ثلاث من مدارسنا: وقد كنا استباقيين وشفافين في إعلام كافة الأطراف الرئيسة بهذه الاكتشافات وقمنا علنا بإدانة هذه الانتهاكات للقانون الدولي. إن هيئة التحقيق المستقلة التي يعكف الأمين العام للأمم المتحدة على تأسيسها ستنظر في كافة الحوادث الرئيسة التي أثرت على عمليات الأمم المتحدة، وتحديدا عمليات الأونروا، خلال الأزمة.

إن التركيز الآن منصب على إعادة بناء غزة. وقد قمنا بالترحيب بمؤتمر القاهرة وبالتعهدات الكبيرة التي تم إطلاقها. إن هذه التعهدات بحاجة لأن يتم وبشكل عاجل تحويلها إلى مصروفات فعلية. وقد رحبنا بزيارة رئيس الوزراء الحمد الله إلى غزة في بداية شهر تشرين الأول. إن القيادة المستمرة من قبل حكومة الوفاق الوطني تعد أمرا مطلوبا من أجل ضمان أن تصبح عملية إعادة الإعمار مسألة قابلة للحدوث. كما أنه مطلوب من إسرائيل أن تلتزم التزاما حقيقيا بتمكين جلب المواد المطلوبة إلى غزة. وفي الوقت الحاضر، فإن العملية بطيئة جدا وغير فعالة بشكل كبير. وإذا ما تأتى لهذا أن يستمر فإننا سنصل للشتاء بدون إحراز تقدم على صعيد إعادة بناء منازل العديدين الذين لا يزالون مشردين، بمن فيهم أولئك الذين لا يزالون في مدارس الأونروا. ان أهل غزة يستحقون أكثر وأفضل من ذلك بكثير.

ولا ينبغي أن يكون هذا وقتا لموقف "انتظر وراقب" من قبل أي طرف. إن الفرقاء الذين اتفقوا على الآلية المؤقتة ينبغي أن تتم مساءلتهم عن تنفيذها. إن الوقت ينفذ، والغضب يتصاعد في غزة والناس يائسون.

إن السبيل الوحيد لكي يتم التغلب على هذا اليأس يتمثل في جعل غزة مكانا قابلا للعيش مرة أخرى. وهذا يعني، كما أكد عليه الأمين العام مؤخرا، معالجة الأسباب الكامنة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي مرة واحدة وللأبد: وهذا يتمثل في إنهاء الاحتلال الموجود على الأرض منذ ما يقارب من نصف قرن والرفع التام للحصار غير القانوني على قطاع غزة. وفي واقع الأمر فليس هناك أدنى شك في ذهني من أنه، وبعد سنوات من العقاب الجماعي لسكان غزة وبعد النزاع المميت، ليس من الممكن ببساطة تصور العودة إلى الظروف التي كانت قائمة من قبل في ظل الحصار. إن هنالك حاجة لتغيير النموذج ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال عمل سياسي مكرس وعازم من قبل المجتمع الدولي.

وعندما يقوم المرء بالنظر في كافة هذه التطورات، فإنه يدرك الطبيعة الوجودية للتهديد الذي يواجهه لاجئو فلسطين.

الاستراتيجية متوسطة الأجل

وإزاء هذه الخلفية المثيرة للقلق، دأبت الأونروا على تطوير استراتيجيتها متوسطة الأجل القادمة. وسأقوم أنا ومدير التخطيط لدينا بتقديم عرض أكثر تفصيلا في جاسة خاصة، ولكن اسمحوا لي أن أستعرض بعض العناصر.

أولا، فإنني أود أن أشدد على أن الاستراتيجية متوسطة الأجل هي نتاج مشاورات معتبرة. وإنني أتقدم بخالص التقدير لكم أنتم أعضاء اللجنة الاستشارية على جودة المدخلات التي تم تسلمها طيلة العملية وتحديدا منذ الجلسة الأخيرة في حزيران وخلال الاجتماعات المختلفة للجنة الفرعية.

إن هذه الاستراتيجية متوسطة الأجل تمثل خطاب النوايا لعمليات الوكالة للفترة ما بين 2016-2021، وهي مبنية على التحليل العميق للاحتياجات المتنامية والمتطورة للاجئين الفلسطينيين. وهي تحدد نقاط قوة الأونروا والمجالات التي تحتاج للتحسينات في تلبية هذه الاحتياجات وتوفير سبل الوصول للخدمات الحيوية لكافة اللاجئين الذين قد يحتاجون إليها، مع إيلاء اهتمام خاص للمعرضين للمخاطر الذين يحتاجون تلك الخدمات أكثر من غيرهم. إن هذه الاستراتيجية مصممة من أجل أن يتم تطبيقها في أي سياق أمني، بما في ذلك النزاعات العنيفة والأشد كثافة.

إن الاستراتيجية متوسطة الأجل تحدد مجموعة من المخرجات الاستراتيجية المصممة لمعالجة احتياجات لاجئي فلسطين، وستقوم الأونروا وبشكل نشط للغاية بحشد الدعم والموارد من أجل تحقيق هذه المخرجات.

وستعمل استجابة الأونروا على التركيز على مهام ولايتها الواضحة من الجمعية العامة وعلى المزايا النسبية التي تتضمن الحجم والتغطية الجغرافية لعملياتها، وبرامجها المنسقة والمتنوعة، وفوق كل شيء القوى العاملة لديها – والذين هم في غالبيتهم من اللاجئين الفلسطينيين أنفسهم وأعضاء في المجتمعات التي نقوم بخدمتها.

وستتمثل الأولويات الاستراتيجية للأونروا في التركيز على الحماية والحقوق كبند أول لكافة اللاجئين بمن في ذلك الأشد عرضة للمخاطر. وقد شعرت شخصيا وبقوة بأن كسب التأييد لحقوق لاجئي فلسطين ينبغي أن يكون المخرج الأول لأنه، وفي نهاية اليوم، مهما كانت الخدمات جيدة فإنها لن تعوض بالكامل عن التوقعات التي لم تتحقق والمشروعة للاجئين برؤية حقوقهم وقد تم احترامها.

إن مخرجات خدمات البرامج الأربعة الهامة للغاية تعد أمرا مركزيا للاستراتيجية. كما أن الاستراتيجية أيضا أكثر وضوحا حيال الحاجة إلى مواصلة تحسين سير عمليات الطوارئ. كما أنها تعد قوية من حيث التزامها بأشكال جديدة من الشراكات. وليس – وأنا أصر على هذه النقطة - إضعاف المجالات الرئيسة لعمل الأونروا أو التعاقد مع جهات خارجية لأدائها بل توسيع نطاق ما يمكن عمله للاجئين وإكمال مجالات الخبرة للأونروا. وحول هذه النقطة، فإنني أود التأكيد على أننا سنواصل العمل على إحراز التقدم في إصلاحاتنا التربوية والصحية والتي ستكون ضرورية من أجل تحقيق أهداف الاستراتيجية متوسطة الأجل للأعوام 2016-2021. وعلاوة على ذلك، وكما تعكسه وثيقة الاستراتيجية، فإن برنامج التمويل الصغير للأونروا المخطط له أن يكون منتجا فرعيا سيمضي قدما بالتشاور مع أصحاب المصلحة عند المنعطفات ذات الصلة. وتحقيقا لهذه الغاية، سيقوم مدير برنامج التمويل الصغير بإجراء نقاشات مع أصحاب المصلحة في الأسابيع والأشهر المقبلة.

ومن أجل أن نكون ناجحين في تنفيذ هذه الاستراتيجية، فقد قمنا بتحديد ثلاثة التزامات إدارية. ومثلما قمت في حزيران بتسليط الضوء عليه، فإن هذا سيتضمن البناء على شراكات حشد التمويل العديدة القائمة، وتطوير شراكات جديدة طويلة الأجل مع الدول ومع القطاع الخاص على حد سواء ومعالجة بعض العناصر الداخلية الكامنة وراء الوضع المالي الصعب للأونروا.

وعلاوة على ذلك، فإننا سنستمر بالعمل على الفعالية التشغيلية والتنظيمية. إن إكمال نظامنا لتخطيط موارد المؤسسة في بداية عام 2015 سيعمل على تحسين وظائف الإسناد الأساسية على نطاق الوكالة ككل في رئاساتنا العامة، بما في ذلك دوائر المالية والموارد البشرية. كما سنقوم وأخيرا بإشراك الموظفين ومجتمعات اللاجئين بطرق أكثر منهجية وشمولية. وللمساعدة في تحفيز العملية، فقد قمت وبدعم من المانحين بتفويض عدد من مبادرات العلاقات مع العاملين والتي سيجري العمل بها بقيادة مكتبي على مدار عام 2015. وفي الوقت نفسه، فإنني سأبقى ضالعا وبشكل كبير في عملية التواصل من أجل تنمية الشراكات القائمة والجديدة. وسنقوم في العام القادم بتقييم استراتيجيتنا والتي بلغت ذروتها في الاستراتيجية الجديدة لحشد الموارد للفترة الواقعة بين 2016-2018 والتي سنشارككم بها في تشرين الثاني من عام 2015.

الوضع المالي في عام 2014 وما بعده

أود أن أطلعكم على أحدث المستجدات حول الوضع المالي الحالي وأن أزودكم ببعض المعلومات حول موازنة عام 2015 التي سأقوم قريبا بالموافقة عليها. إن العجز في حزيران قد كان حوالي 70 مليون دولار. وهو حاليا يبلغ 45 مليون دولار، وهو أقل بقليل من العام الماضي. وأود أن أشكر أولئك الذين قدموا بالفعل منكم وبعض الذين قد لا يزال لديهم ما يقدمونه من سبل إضافية تساعدنا في تسوية الميزانية بنهاية هذا العام. وأنتم تذكرون أنني التزمت بأن أقوم بداية بعمل تخفيضات داخلية في النفقات قبل العودة إليكم من أجل المزيد من التمويل. لقد تم الوفاء بهذا الالتزام حيث أننا قمنا بتخفيض العجز بمبلغ 18 مليون دولار في هذا العام، وذلك كما نقلته إليكم رسالتي المؤرخة في 19 أيلول 2014.

وبالنسبة لعام 2015، فإننا نتوقع عجزا ماليا يتراوح بين 65-70 مليون دولار. ولقد كنت أعمل مع زملائي من أجل تخفيض زيادات النفقات التي تمت مشاركتها على مستوى اللجنة الفرعية، وتلك الزيادات قد تم تخفيضها الآن من 25,2 مليون دولار إلى 19,2 مليون دولار. ونحن لا زلنا نحاول تقليصها أكثر قبل الموافقة النهائية على هذه الموازنة.

وقد نكون قادرين على الاستمرار بمجرد إيجاد حل فوري لمصاعبنا المالية في عام 2015 و 2016. إلا أننا، ودعوني أكون واضحا في هذا المقام،  على مشارف الوصول لمفترق طرق تنظيمي ويجب القيام بإجراء الآن من أجل تغيير المأزق المالي للأونروا. وإنني أؤكد على الالتزام الذي قطعته عندما خاطبتكم في الاجتماع الأول لي في اللجنة الاستشارية، وفي العديد من المناسبات الأخرى منذ ذلك الحين، بالعمل من أجل إصلاح هذا والتعامل مع بعض من العناصر الكامنة وراء عجزنا. إن هذا يشمل قرارا بالبدء بالعمل على هذه القضايا في وقت مبكر من عام 2015.

مناشدة باسم اللاجئين

وفي الختام، اسمحوا لي أن أصرح مرة أخرى بأنه في صميم مصير ومحنة لاجئي فلسطين يكمن نزاع لم يتم حله واحتلال مستمر وظلم دائم. إن هذا يتفاقم الآن جراء الآثار المدمرة للنزاعات الأخيرة في غزة وفي سورية.

على مدار السنوات الخمس والستين الماضية، وبالرغم من العديد من الصعاب، ساهمت الأونروا في عملية كبيرة لتنمية رأس المال البشري ينبغي على الجميع أن يفخر بها أكثر. وعلى أية حال، فإن الخليط الحالي للنزاع والاحتلال والحصار هو الآن في بعض الأحيان يعمل وبشكل خطير على قلب العديد من المكتسبات التي تم تحقيقها في مجالات الصحة والتعليم.

إن الاستثمارات التي تم القيام بها في غزة يتم تدميرها بشكل منتظم بواسطة القنابل، والمكتسبات في الضفة الغربية تتقلص جراء توسعة المستوطنات، والتقدم والاكتفاء الذاتي في سورية يتعرضان للتفتيت إلى قطع متناثرة في النزاع. وفي كافة أقاليم العمليات تقريبا، تعمل البطالة على دفع عدد متزايد من الأشخاص نحو الفقر والإعالة.

لقد دأبت الأونروا على أن تكون مزودا لخدمات هامة وأثبتت قدرتها على الاستجابة في حالات الأزمات، حتى لو أن هذا قد أتى، كما قلت سابقا، على حساب ثمن باهظ بخسارة العديد من الزملاء. ومع ذلك، فإن الأونروا قادرة وعازمة بشدة على الاستمرار بلعب دورها الذي لا غنى عنه إلا أن ذلك ينبغي أن لا يتم أخذه وكأنه أمر مسلم به.

السيدات والسادة،

إن مجتمعات اللاجئين بحاجة للدعم إلا أنها الآن بحاجة لحلول أيضا. وفي الوقت الذي يعمل فيه النزاع في سورية على جلب المخاطر فإن السؤال الذي ينبغي أن يتم طرحه هو فيما إن كان المجتمع الدولي بالفعل قادرا على تحمل بقاء النزاع الفلسطيني الإسرائيلي بلا حل ومصدرا دائما للقهر والإذلال واليأس في المنطقة. إن الإجابة بكل وضوح هي لا.

لقد حان الوقت لتغيير النموذج والموقف، وللتغلب على الآراء المتشككة والمتشائمة. لقد حان الوقت لبذل الطاقة والالتزام بحل واحد من أطول النزاعات القائمة في عصرنا وتوفير الأساس لإيجاد حل عادل ودائم للاجئين أنفسهم.

أشكركم

إن الاستراتيجية متوسطة الأجل تمثل خطاب النوايا لعمليات الوكالة ومبنية على التحليل العميق للاحتياجات المتنامية والمتطورة للاجئين الفلسطينيين.
معلومات عامة: 

تواجه الأونروا طلبا متزايدا على خدماتها بسبب زيادة عدد لاجئي فلسطين المسجلين ودرجة هشاشة الأوضاع التي يعيشونها وفقرهم المتفاقم. ويتم تمويل الأونروا بشكل كامل تقريبا من خلال التبرعات الطوعية فيما لم يقم الدعم المالي بمواكبة مستوى النمو في الاحتياجات. ونتيجة لذلك فإن الموازنة البرامجية للأونروا، والتي تعمل على دعم تقديم الخدمات الرئيسة، تعاني من عجز كبير. وتدعو الأونروا كافة الدول الأعضاء للعمل بشكل جماعي وبذل كافة الجهود الممكنة لتمويل موازنة الوكالة بالكامل. ويتم تمويل برامج الأونروا الطارئة والمشروعات الرئيسة، والتي تعاني أيضا من عجز كبير، عبر بوابات تمويل منفصلة.

تأسست الأونروا كوكالة تابعة للأمم المتحدة بقرار من الجمعية العامة في عام 1949، وتم تفويضها بتقديم المساعدة والحماية لحوالي خمسة ملايين وأربعمائة ألف لاجئ من فلسطين مسجلين لديها. وتقتضي مهمتها بتقديم المساعدة للاجئي فلسطين في الأردن ولبنان وسورية والضفة الغربية وقطاع غزة ليتمكنوا من تحقيق كامل إمكاناتهم في مجال التنمية البشرية وذلك إلى أن يتم التوصل لحل عادل ودائم لمحنتهم. وتشتمل خدمات الأونروا على التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية وتحسين المخيمات والحماية والإقراض الصغير.

للمزيد من المعلومات، يرجى الاتصال ب:

سامي مشعشع
الناطق الرسمي للأونروا
خلوي: 
+972 (0)54 216 8295
مكتب: 
+972 (0)2 589 0724