كلمة السيد بيير كرينبول المفوض العام في مجلس جامعة الدول العربية

10 أيلول 2019
© صور الاونروا , 2019

في الجلسة الافتتاحية لأعمال الدورة العادية (152) لمجلس جامعة الدول العربية

على المستوى الوزاري

القاهرة


معالي السيد الرئيس،

معالي الأمين العام، الدكتور أحمد أبو الغيط،

أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة،

السيدات والسادة الحضور الكريم

 

اسمحوا لي بادئ ذي بدء أن أتقدم إليكم بجزيل الشكر على منحي شرف مخاطبة مجلسكم الموقر مجدداً.

حين وقفت أمام مجلسكم في شهر آذار/مارس من هذا العام، ذكرت بأن عام 2018 – دون أدنى شك - كان الأكثر تحديا في تاريخ الأونروا المشرّف. وكنت أشير بطبيعة الحال إلى الأزمة الوجودية التي أحدثها قرار الولايات المتحدة بوقف 300 مليون دولار من تمويلها للأونروا في العام الماضي، والذي تلاه وقف 60 مليون دولار إضافي في كانون الثاني/يناير من هذا العام. وبفضل الحملة العالمية التي أطلقناها في 2018 وقيادتكم ودعمكم المتميز قمنا بسدّ هذا العجز غير المسبوق.

ولكن الأزمة لم تنته بعد وهي بالتأكيد ليست أزمة مالية صرفة. بل هي في الأساس أزمة سياسية ومتعلقة بمصير لاجئي فلسطين ومستقبلهم، وهي إحدى قضايا الوضع النهائي الرئيسة إلى جانب القدس. فعلى مدار الأشهر الثمانية عشر الماضية، وتوازيا مع قطع التمويل الذي أشرنا إليه، شهدنا حملة مستمرة لنزع الشرعية عن لاجئي فلسطين.

وكجزء من هذه الحملة التي تستهدفنا، تُوظَف جميع السبل والوسائل. فالبعض يحاول التشكيك بفكرة وجود لاجئي فلسطين من الأساس وتقويضها، برغم أنّ المجتمع الدولي – بقيادة الدول الأعضاء الممثَلة هنا في هذا الاجتماع اليوم – قد كرّس اعترافه باللاجئين في القرارات المتعاقبة للجمعية العامة للأمم المتحدة.

أما التحريف الأكبر على الإطلاق فيتمثل في تكرار التأكيد بأن لاجئي فلسطين هم "اللاجئون الوحيدون على هذا الكوكب الذين تعتبر ذريتهم كذلك لاجئين".  

إن هذا لتشويه صارخ ومتعمد. فبموجب أحكام القانون الدولي ومبدأ وحدة العائلة، تعتبر المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين أطفال وأحفاد اللاجئين الأفغان أو الصوماليين أو الكونغوليين لاجئين أيضا وتقدم لهم المساعدة على هذا الأساس. وليس هنالك من فرق بينهم وبين لاجئي فلسطين.

إن الهجمات المتواصلة والمتصاعدة سياسيا ضد الدور الذي تضطلع به الأونروا وخدماتها وتمويلها وشرعيتها تشكل بأجمعها جزءا من استراتيجية تهدف إلى إضعاف أو محو المعايير الرئيسية لحلّ الدولتين، بل وفي الواقع من مبادرة السلام العربية لعام 2002 والتي ترعاها المملكة العربية السعودية. ولا يتضح هذا في مكان أكثر من القدس الشرقية نفسها حيث تتعرض عمليات الأونروا إلى ضغط مستمر وتواجه تدخلات متزايدة من سلطات البلدية الإسرائيلية منذ اكتوبر/تشرين الأول عام 2018.

ولا يخف عليكم بأن تحدّي أنشطة وكالة أممية ذات تفويض اسندته إليها الجمعية العامة للأمم المتحدة ذاتها – بفضل قيادتكم الحكيمة – لمساعدة وحماية لاجئي فلسطين هو محاولة لاستكمال ضم القدس الشرقية على أرض الواقع وهو أمر غير قانوني بموجب القانون الدولي.

ولذلك فإنّ الوقوف بجانب الأونروا وخدماتها في القدس الشرقية لمسألة بالغة الأهمية، بذات أهميتها في الضفة الغربية وقطاع غزة والأردن ولبنان وسوريا. كما أنه مقياس جوهري لجاهزية الدول لحماية الكرامة الإنسانية للاجئي فلسطين والدفاع عن حقوقهم والمحافظة على الاستقرار الإقليمي.

هذه ليست كلمات جوفاء. فبالفعل، وبرغم التحديات الهائلة التي نواجهها، تمكنا بفضل مساندة شركائنا من الدول المانحة والمضيفة، من فتح 709 مدارس تابعة للأونروا في الموعد المحدد لاستقبال نصف مليون طالب من لاجئي فلسطين طوال الأسبوعين الماضيين. ونشعر بغاية الفخر بهذا الإنجاز، إذ نعلم جيدا ما لفشلنا في فتح المدارس من شديد الأثر على أمال وتطلعات هؤلاء الفتيان والفتيات وعلى الأمن في منطقة الشرق الأوسط.

 

أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة، السيدات والسادة،

لذلك فإنّي أطلب منكم – بكل تواضع وبنفس الإحساس العميق بالإيمان والاقتناع الراسخ الذي أكد عليه المجتمع الدولي وتبنته جامعة الدول العربية والدول الأعضاء فيها منذ تأسيسها في عام 1945 – أطلب منكم أن تضمنوا نجاة الأونروا أيضا في عام 2019 وأن يحظى مسارها في السنوات القادمة بالحماية الملائمة.

وعلى الصعيد المالي، فإنني ومع شكري لما قدمتموه من دعم يستحق أعلى تقدير، أطلب منكم مواصلة هذا السخاء والكرم. فموازنتنا الحالية تبلغ 1,2 مليار دولار، وعلى الرغم من كلّ التحديات الحالية التي نواجهها، فقد قلّصنا عجزنا التمويلي من 211 مليون إلى 120 مليون دولار، بما في ذلك من خلال جهود التواصل المستمر والناجح خلال الصيف. ويستدعي التغلب على العجز المتبقي دَفعة أخيرة من بعض أقرب الشركاء إلينا هذا العام، بمن فيهم أعضاء جامعة الدول العربية.

وفي عام 2018، قدمت المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ودولة قطر ودولة الإمارات العربية المتحدة تبرعات سخية للغاية للتمويل الأساسي للأونروا– مما مكننا من الحفاظ على خدماتنا في 58 مخيم للاجئي فلسطين دون انقطاع. وقد تعهدت دولة الإمارات العربية المتحدة بالتبرع مجددا بنفس المبلغ في هذا العام ونحن ممتنون للغاية لذلك. وندعو شركاءنا كافة بتكرار تبرعاتهم السخية في عام 2019 وضمان صرفها في الوقت المطلوب، إذ يتعيّن علينا إبقاء المدارس مفتوحة، ومواصلة عمل المراكز الصحية وغيرها من الخدمات.

وعلى الجانب السياسي والمؤسسي، فإنني أحثّ جميع الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية على العمل الحثيث من أجل تجديد سلس لولاية الأونروا من جانب الجمعية العامة للأمم المتحدة في الخريف.

 

أصحاب المعالي والعطوفة والسعادة، السيدات والسادة:

يمكنني وبكل ثقة أن أقول إنني ومنذ عام 2018 لم أر مثل هذا الاستهداف القاسي لأي منظمة إنسانية ولا إنكارا مماثلا لحقوق مجتمع لاجئين بأكمله. كما أنني لم أشاهد – إطلاقا – قضية أكثر نبلا للدفاع عنها من تلك المتمثلة في كرامة وحقوق لاجئي فلسطين. ولدى الاستماع إلى الشهادات المفعمة بالعاطفة لطلبة مدارسنا ورؤية شجاعتهم بأمّ أعيننا، يصبح من الواضح أن قضية لاجئي فلسطين تستحق هكذا دفاع  كل يوم.

 

ولكم مني جزيل الشكر.

الأزمة لم تنته بعد وهي بالتأكيد ليست أزمة مالية صرفة. بل هي في الأساس أزمة سياسية ومتعلقة بمصير لاجئي فلسطين ومستقبلهم، وهي إحدى قضايا الوضع النهائي الرئيسة إلى جانب القدس.
معلومات عامة: 

تواجه الأونروا طلبا متزايدا على خدماتها بسبب زيادة عدد لاجئي فلسطين المسجلين ودرجة هشاشة الأوضاع التي يعيشونها وفقرهم المتفاقم. ويتم تمويل الأونروا بشكل كامل تقريبا من خلال التبرعات الطوعية فيما لم يقم الدعم المالي بمواكبة مستوى النمو في الاحتياجات. ونتيجة لذلك فإن الموازنة البرامجية للأونروا، والتي تعمل على دعم تقديم الخدمات الرئيسة، تعاني من عجز كبير. وتدعو الأونروا كافة الدول الأعضاء للعمل بشكل جماعي وبذل كافة الجهود الممكنة لتمويل موازنة الوكالة بالكامل. ويتم تمويل برامج الأونروا الطارئة والمشروعات الرئيسة، والتي تعاني أيضا من عجز كبير، عبر بوابات تمويل منفصلة.

تأسست الأونروا كوكالة تابعة للأمم المتحدة بقرار من الجمعية العامة في عام 1949، وتم تفويضها بتقديم المساعدة والحماية لحوالي خمسة ملايين وأربعمائة ألف لاجئ من فلسطين مسجلين لديها. وتقتضي مهمتها بتقديم المساعدة للاجئي فلسطين في الأردن ولبنان وسورية والضفة الغربية وقطاع غزة ليتمكنوا من تحقيق كامل إمكاناتهم في مجال التنمية البشرية وذلك إلى أن يتم التوصل لحل عادل ودائم لمحنتهم. وتشتمل خدمات الأونروا على التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والخدمات الاجتماعية والبنية التحتية وتحسين المخيمات والحماية والإقراض الصغير.

للمزيد من المعلومات، يرجى الاتصال ب: