كلمة المفوض العام أمام مجلس الأمن الدولى للأمم المتحدة

27 أيار 2021
كلمة المفوض العام أمام مجلس الأمن الدولى للأمم المتحدة

سيدي الرئيس،

أعضاء المجلس الموقرين،


اسمحوا لي أن أعرب عن خالص تقديري لإتاحة هذه الفرصة لي لأن أتحدث إلى مجلس الأمن الدولي.

 أنا أخاطب المجلس من مقر رئاسة الأونروا في القدس الشرقية، على بعد مئات الأمتار فقط عن حي الشيخ جراح، حيث تواجه ثماني عائلات من اللاجئين الفلسطينيين تهديدات الإخلاء القسري من منازلهم.

 وأنا أيضاً أخاطب المجلس بعد أن أمضيت جزءاً من الأسبوع في غزة، واستمعت إلى عدد لا يحصى من القصص المأساوية عن فقدان الأحبة.

 في أعقاب 11 يوماً من الغارات الجوية للقوات العسكرية الإسرائيلية وهجمات الصواريخ التي أطلقتها جماعات فلسطينية مسلحة، لقي أكثر من 250 شخصاً مصرعهم في غزة، وكان من بينهم 66 طفلاً، 19 منهم كانوا يتعلمون في مدارس الأونروا.

 وفي إسرائيل، لقي 12 شخصاً حتفهم، بمن فيهم طفلان.

 ليس مقبولاً بأي شكل أن يفقد المدنيون الأبرياء حياتهم. واقدم هنا تعازي الحارة للذين فقدوا احباءا لهم.

 الالاف من المدنيين اصيبوا بجراح. هذه ليست مجرد احصائيات فمعظمهم من المدنيين الذين سلبت منهم حيواتهم واحلامهم.

 اسمحوا لي أن أتوقف للحظة لكي أشكر زملائي في الأونروا في غزة وأعرب عن تقديري لهم، حيث كانوا – تحت قيادة مديرنا في غزة ماتياس شمالي – يقفون على خط المواجهة لحماية السكان ومساعدتهم.

 كانوا في كل صباح يتغلبون على الخوف الذي يجتاحهم ويقومون بالرحلة المحفوفة بالخطر إلى مراكزنا الصحية ومدارسنا التي تحولت إلى مراكز إيواء لمساعدة المحتاجين.

 كانوا يذهبون إلى العمل دون أن يعرفوا ما إذا كانت عائلاتهم ستبقى على قيد الحياة في نهاية اليوم. لقد عملت طواقمنا من موظفين صحيين وعمال نظافة وأخصائيين اجتماعيين ومهندسين بلا كلل على مدار 11 يوماً في ظل بيئة وصفوها بأنها "جحيم على الأرض".

 هو جحيم لأن القتال استمر دون فترات توقف على مدار 11 يوماً. ولم تتخلله أية هدنة إنسانية تتيح تقديم المساعدات الطبية الطارئة للجرحى أو إغاثة النازحين أو مجرد الحصول على الطعام دون أن يخاطر المرء في أن يجد نفسه في المكان الخطأ في الوقت غير المناسب.

 هو جحيم بالنسبة لما يقارب 70 ألف شخص التمسوا ملاذاً لهم في مدارسنا لأن العيش في ظل الحصار لم يترك لهم أي مكان آخر يحتمون به.

 هو جحيم بسبب شدة الغارات الجوية المكثفة على مناطق مكتظة بالسكان في قلب غزة. تقريباً كل شخص التقيت به وصف لي الشعور بالرعب والصدمة النفسية.

 التقيت بآباء وأمهات كانوا يسألون أنفسهم كل ليلة ما إذا يجب عليهم إبقاء جميع أطفالهم لكي يناموا بالقرب منهم أم عليهم توزيعهم في شتى أنحاء المنزل. هل يجب أن يموتوا جميعاً معاً؟ أم يجب أن يحاولوا إنقاذ البعض عن طريق توزيعهم على المكان؟

 وصفت لي زميلة من الأونروا كيف ناقشت خطط تناول العشاء مع شقيقتها في اليوم الأخير من شهر رمضان. وبعد ساعة، لقيت الأخت وابنتها حتفهما في غارة جوية. وكان من المقرر أن يتم حفل زفاف الابنة في الأسبوع التالي.

 التقيت برجل من عائلة أبو حطب فقد عشرة من أحبائه، بمن فيهم زوجته وأطفاله الأربعة، عندما انهار المبنى الذي يقيم فيه. كان قد خرج لشراء الطعام وعاد ليرى أن عالمه بأكمله قد تهشم. وبعد أيام من الحادثة، كان لا يزال يتساءل عما حدث، في حين أن طفله الوحيد الذي نجا توقف عن النطق. لم يكن لدي أي رد لأعطيه.

 هذا الصراع الأخير هو الصراع الرابع خلال 13 عاماً. وكل صراع يدمر حياة الناس والمباني والبنية التحتية الأساسية ويعود بغزة سنوات عديدة إلى الوراء. تحدث هذه الصراعات في حين أن الحصار المستمر قد شل الاقتصاد لمدة 14 عاماً، وأدى إلى ارتفاع صارخ في معدلات البطالة، وجعل نظام الرعاية الصحية في غزة يهوي على ركبتيه، ولا يكاد يقدر على الاستجابة للارتفاع الحاد في حالات كوفيد-19 والتعامل مع احتياجات الجرحى.

 لقد تحول المجتمع الإنساني الدولي الآن من تدابير حالة الطوارئ إلى تقييم مجمل الأضرار التي لحقت بالمساكن والبنى التحتية، والأهم من ذلك، بأرواح البشر.

 إنني أشعر القلق بشكل خاص إزاء الصدمة والأثر النفسي-الاجتماعي الذي ألحقته الغارات الجوية المكثفة وهجمات الصواريخ بالمدنيين، ولا سيما الأطفال.

 وما يقلقني أيضاً حدوث موجة جديدة من العدوى بفيروس كوفيد-19 بين السكان في غزة، وأن الوصول إلى اللقاح أصبح أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى.

 

سيدي الرئيس، أصحاب السعادة،

 لقد التقيت ببعض أفراد عائلات الشيخ جراح في القدس الشرقية خلال الأسبوع الماضي. وعبّر محمد الكرد عن مشاعره بالظلم والخوف. الظلم لأن عائلته تواجه تهجيراً قسرياً ثانياً. والخوف من المضايقات العنيفة اليومية من أولئك الذين يريدون طرده من منزل طفولته. هناك آلاف الأشخاص في الضفة الغربية، بما في ذلك في القدس الشرقية، يعيشون في خوف مماثل لخوف محمد تحت تهديد أوامر الإخلاء والهدم الصادرة في حق منازلهم وممتلكاتهم.

 أثناء التصعيد في غزة، لم يتم توجيه الاهتمام الواجب بالوضع الخطير المتعلق بالحماية في الضفة الغربية، والذي يؤثر على اللاجئين الفلسطينيين والمواطنين على حد سواء.

 لقد شهدنا زيادة كبيرة في عمليات الاقتحام والتفتيش والاعتقال التي قامت بها قوات الأمن الإسرائيلية، فضلاً عن عنف المستوطنين. ومما يثير القلق بوجه خاص الاستخدام الكثيف للذخيرة الحية من جانب قوات الأمن الإسرائيلية أثناء المظاهرات، حيث كان لاجئون فلسطينيون من بين الجرحى والقتلى.

 ويساورني القلق أيضاً إزاء احتمال الإفراط في استخدام الأسلحة غير الفتاكة، مثل الغاز المسيل للدموع، وإساءة استخدامها في الأزقة الضيقة لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين وحولها. من شأن التعرض المتكرر لهذه الظروف أن يفرض تحديات صحية نتيجة تسرب الغاز المسيل للدموع إلى داخل المساكن والتصاقه بالملابس.

 ينتشر اليأس في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين خارج الأرض الفلسطينية المحتلة أيضاً. ويشكل اليأس وفقدان الأمل مزيجاً خطيراً في هذه المنطقة الشديدة التقلب، ولا سيما بالنسبة للشباب الذين يتزايد إحساسهم بأنهم محرومون ومحاصرون.

 في لبنان، يعيش جميع سكان المخيمات تقريباً تحت خط الفقر. وخلال زيارتي الأخيرة عاينت عن قرب انعدام الأمل وقابلت شابا من لاجئي فلسطين القادمين من سوريا والذي أشار بأن أمامه واحد من خيارات ثلاث: اما ان يقضى بسبب جائحة كوفيد 19، أو من الجوع أو أن يبتلعه البحر الأبيض المتوسط خلال محاولته العبور على قاربه الصغير.

 وخلال زيارتي الأخيرة إلى سوريا، رأيت أطفالاً في الزي المدرسي يخرجون من بين أنقاض مخيم اليرموك ليقفزوا على متن حافلة تابعة للأونروا. لقد جاءت عائلاتهم للعيش وسط الأنقاض لأنهم لم يعودوا قادرين على دفع إيجار المساكن.

 وفي الأردن، على الرغم من الاستقرار النسبي، وجهت الجائحة ضربة قوية للاقتصاد. ومرة أخرى، فإن الفئات الأشد ضعفاً، مثل اللاجئين الفلسطينيين – وخاصة أولئك الذين نزحوا عن سوريا – هم الأكثر تضرراً.

 

سيدي الرئيس، أصحاب السعادة،

 إلى أن يتم إيجاد حل عادل ودائم لمحنة اللاجئين الفلسطينيين، فإن بقاء الأونروا قوية هو وحده يمكنه أن يجلب الشعور بعودة الأمور إلى طبيعتها في حياة اللاجئين. وهذا الشعور بطبيعة الأمور يمكن أن يسهم في مساعي السلام والاستقرار.

 تكون الأونروا قوية عندما يتمكن اللاجئون الفلسطينيون الصغار، الفتيات والفتيان على حد سواء، من الوصول بعيداً جداً بفضل التعليم الجيد.

 إن لؤي البسيوني، أحد المهندسين العاملين على المروحية الأمريكية التي ذهبت إلى المريخ، هو أحد الطلبة السابقين في مدرسة للأونروا في بيت حانون في غزة. لقد ذهب من غزة إلى وكالة ناسا.

 إلى هذا المدى يمكن أن يصل طلبتنا عندما يكونون متمكنين. فهم على غرار أقرانهم في شتى الأماكن الأخرى، يملكون إمكانات غير محدودة.

 يتطلب بقاء الأونروا قوية أن يتوفر لها التمويل الكافي والذي يمكن التنبؤ به لكي تخطط للخدمات وتقدمها على نحو ملائم.

 وهذا الأمر يعد أحد الاستثمارات الأكثر جدوى مقابل التكلفة التي يمكن للدول الأعضاء القيام بها.

 إنه استثمار في البشر وفي التنمية البشرية للاجئين الفلسطينيين. إنه استثمار في قيم ومبادئ الأمم المتحدة. إن التعليم الذي نقدمه، والمستند إلى قيم الأمم المتحدة لحقوق الإنسان والتسامح، يعزز الشعور بالهدف.

 في هذا العام وحده، اعترفت مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والبنك الدولي والمجلس الثقافي البريطاني بالمستوى المتميز للتعليم الذي تقدمه الأونروا.

 

سيدي الرئيس، أصحاب السعادة،

 إن التعليم الذي نقدمه هو بمثابة ترياق لمعالجة انتشار العنف والكراهية والتعصب على نطاق واسع في المنطقة. ولن يؤدي إضعاف الأونروا إلا إلى تغذية الانقسامات القائمة.

 إنني أطلب من الدول الأعضاء أن تقف إلى جانب الوكالة وأن تدعم الأونروا في مواجهة الهجمات السياسية المتكررة التي تسعى إلى تقويض دورها وولايتها.

 فالأونروا وكالة تناصر حقوق اللاجئين وفقاً للقانون الدولي، بما في ذلك قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.

 وأولئك الذين يعتقدون أنهم بتقويض سمعة وشرعية الوكالة يمكنهم بطريقة أو بأخرى محو قضية اللاجئين الفلسطينيين يخدعون أنفسهم.

 إن محو أو تجاهل تاريخهم ليس عملاً تمييزياً فحسب، بل يستند إلى معلومات مضللة وإنكار لحقائق ثابتة.

 فاللاجئون الفلسطينيون يستمدون مكانتهم وحقوقهم من القانون الدولي. القانون نفسه الذي يسعى إلى تعزيز السلام والمساواة. ومن خلال السعي لإضعاف الأونروا، فإن أولئك الذين يهاجمونها لا يقومون بشيء سوى إضعاف آفاق السلام.

 

سيدي الرئيس، أصحاب السعادة،

 الاسابيع الماضية جاءت لتذكرنا وبشكل لا لبس فيه بأن الحرب والعنف  يتمترسان في غياب جهود  صادقة وشاملة لحل الصراع الفلسطيني –الاسرائيلي. ان ابقاء الصراع على ما هو عليه عبر محاولة احتواءه لم يعد كافيا.

 خلاصة الأمر، أود أن أشاطر أعضاء المجلس بالتوصيات التالية للنظر فيها:

 أولاً، وكما يذكرنا بذلك المبعوث الخاص، نحن بحاجة إلى كسر "نهج سيزيف" في الاستجابة بعد الصراع في غزة. فالاستجابة التي تقتصر على المساعدة الإنسانية والمساعدة في مجال الإنعاش لن تحول دون وقوع الجولة المقبلة من الصراع. وينبغي أن تكون مرحلة الانتعاش مصحوبة بمسار سياسي حقيقي يهدف إلى رفع الحصار المفروض على الناس والسلع والتجارة تماشيا مع قرار مجلس الأمن رقم 1860 .

 ثانيا، أكرر نداء المنسق الخاص الذي دعا فيه إلى مساءلة مرتكبي انتهاكات القانون الدولي من جميع الأطراف وتقديمهم بسرعة إلى العدالة.

 ثالثا، لمنع المزيد من التصعيد في مستوى التوترات في الضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية، ينبغي وضع حد لعمليات الإخلاء القسري والهدم الإداري المخالف للقانون الدولي.

 رابعا، ينبغي تمويل الجهود الإنسانية وجهود إعادة الإعمار بالكامل ويجب دعم الجهود الرامية إلى زيادة توافر لقاحات كوفيد-19.

وفي الختام، لم يطلب أحد أن يبقى لاجئاً على مدار سبعة عقود. وكل لاجئ فلسطيني أقابله يريد "حياة طبيعية"، ويريد الحق في العيش دون خوف ودون تمييز.

 وهم، شأنهم شأن سائر البشر، لهم حق متكافئ في التمتع بحقوق الإنسان الخاصة بهم وفقاً للقانون الدولي.

 هذا يعني أن يستطيع الأطفال أن يلعبوا ويذهبوا إلى المدرسة، وأن يستطيع الأهل حماية أطفالهم ورعايتهم، وأن يكون لدى الشباب أحلامهم.

 وهو يعني أيضاً العيش في سلام، دون خوف من جولة الصراع التالية.

 يتوجب علينا معاً ضمان أن يظل هناك شعور بالحالة الطبيعية وبالاستقرار في حياة اللاجئين الفلسطينيين من خلال بقاء الأونروا قوية.

 

شكراً لكم.

 

للمزيد من المعلومات، يرجى الاتصال ب: